كلما حل شهر دجنبر، تستحضر طنجة واحدة من أكثر محطاتها التاريخية حساسية، هي ذكرى توقيع بروتوكول طنجة في 18 دجنبر 1923، الاتفاق الذي وضع المدينة، لثلاثة عقود، داخل نظام دولي خاص فرضته توازنات مرحلة مضطربة من تاريخ المغرب والمنطقة المتوسطية.
في ذلك الزمن، كانت طنجة مدينة مفتوحة على العالم، لكن قرارها لم يكن بيدها. القوى الأوروبية الكبرى، وفي مقدمتها فرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة، كانت تتنافس على موقع استثنائي عند بوابة مضيق جبل طارق، حيث يلتقي المتوسط بالأطلسي، وحيث كانت الجغرافيا أقوى من إرادة السكان.
البروتوكول لم يلغِ انتماء طنجة للمغرب، لكنه قيّد حضوره. أُنشئت إدارة دولية، ومحاكم مختلطة، ونظام مالي وجمركي خاص، فيما ظل السلطان المغربي ممثلا عبر مندوب بصلاحيات محدودة. كان ذلك انعكاسا مباشرا لاختلال ميزان القوى، أكثر مما كان تعبيرا عن خيار سياسي حر.
دخل هذا النظام حيز التطبيق ابتداء من 1925، وعاشت المدينة خلاله حياة مزدوجة: مغربية في الذاكرة والوجدان، ودولية في الإدارة والقرار. ورغم ما منحته تلك المرحلة من انفتاح استثنائي، ظلت طنجة مدينة معلّقة، تتحرك داخل توازنات لا تصنعها.
ومع الحرب العالمية الثانية، تبيّن هشاشـة ذلك الوضع. دخول القوات الإسبانية إلى المدينة سنة 1940 كشف أن الترتيبات الدولية تنهار أول ما تهتز موازين القوة. وبعد الحرب، عاد النظام شكليا، لكن زمنه كان قد بدأ في الأفول.
عند استقلال المغرب سنة 1956، لم تكن طنجة بحاجة إلى معركة سيادية طويلة. انتهى الوضع الدولي ببساطة لأن أسبابه انتهت. وفي 29 أكتوبر 1956، أُدمجت المدينة رسميا في الدولة المغربية، في لحظة أعادت لطنجة انسجامها الطبيعي مع محيطها الوطني.
اليوم، في 2025، تُستحضر تلك الذكرى لا بوصفها حنينا إلى زمن استثنائي، بل كتذكير بمرحلة تجاوزها التاريخ. طنجة، التي كانت يوما موضوع ترتيبات دولية، أصبحت فاعلا متوسطيًا داخل سيادة مغربية كاملة، في عالم لم يعد يعترف بالمناطق الرمادية.







