كشفت دراسة أكاديمية حديثة أن دوافع الهجرة غير النظامية، المعروفة محليا بـ”الحريك”، لم تعد تقتصر على الهروب من الفقر والبطالة، بل باتت ترتبط بأزمة ثقة في المستقبل والشعور بانسداد أفق الارتقاء الاجتماعي لدى الشباب، ما يعكس تحولاً في النظرة إلى الهجرة من وسيلة لتحسين الوضع المادي إلى مسعى لاكتساب مكانة اجتماعية خارج البلاد.
وأوضحت الدراسة، التي أعدتها الباحثة في الجامعة الدولية للرباط فاطمة الزهراء بوشريط ونشرتها مجلة “African Scientific Journal” في عدد أكتوبر الجاري، أن التفكير في الهجرة بات يشمل شباباً حاصلين على شهادات تعليمية ومندمجين في سوق العمل، انطلاقاً من قناعة لديهم بأن التعليم والاستقرار المهني لم يعودا كافيين لتحقيق تطلعاتهم أو تغيير أوضاعهم الاجتماعية.
واستند البحث، المعنون بـ”العنف والزمن والهوس بالحريك: تصورات الزمن والتنقل لدى المهاجرين المغاربة”، إلى تحليل شهادات عبر المنصات الرقمية إلى جانب 10 مقابلات ميدانية وعن بُعد أُجريت بين عامي 2023 و2024 مع شباب تتراوح أعمارهم بين 17 و30 عاماً في مدن طنجة والدار البيضاء وقلعة السراغنة.
ونقلت الدراسة شهادة شاب من طنجة (21 عاماً) أُشير إليه باسم مستعار هو “ياسين”، لخص فيها دوافعه للمغادرة بالبحث عن “مكانة ومستقبل”، معتبرا أن الشباب لا يجدون لأنفسهم مكانا داخل المجتمع، وهو ما يعكس، بحسب البحث، شعورا بضعف الاعتراف الاجتماعي وغياب آفاق التقدم بغض النظر عن الوضع الاقتصادي المباشر للفرد.
وربطت الباحثة بين تنامي هذا الإحساس وصعوبة الحصول على تأشيرات الدخول إلى الدول الأوروبية، إذ باتت الهجرة النظامية خيارا بعيد المنال حتى بالنسبة إلى الشباب المتوفرين على مؤهلات دراسية ومهنية.
وأشارت إلى أن تشديد الرقابة الأمنية على الحدود لا يلغي العوامل الدافعة للهجرة، بل يدفع الراغبين في العبور إلى سلوك مسارات أشد خطورة.
وتطرقت الدراسة إلى الدور المتزايد لمنصات التواصل الاجتماعي في تغذية الرغبة في الرحيل، من خلال التركيز على صور النجاح الاجتماعي للمهاجرين في أوروبا في مقابل تهميش تجارب الفشل والمعاناة.
واستحضرت في هذا السياق أحداث مدينة الفنيدق في شتنبر 2024، حين تجمع مئات الشباب قرب الحدود مع مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية، استجابة لدعوات رقمية لتنفيذ محاولة عبور جماعية.
وعلى صعيد التكلفة الإنسانية، رصد البحث الآثار النفسية والجسدية القاسية لرحلات الهجرة غير النظامية، سواء انتهت بالوصول إلى أوروبا أو بالفشل والعودة إلى المغرب؛ إذ وثقت شهادات المشاركين مواجهة ظروف قاسية شملت البرد الشديد والخوف من الغرق وفقدان القدرة على التحكم في أجسادهم أثناء العبور، فضلاً عن استمرار الصدمات النفسية بعد انتهاء الرحلة.
وأظهرت النتائج أن فشل مشروع الهجرة يتحول لدى بعض العائدين إلى أزمة شخصية واجتماعية تتجلى في الشعور بالخجل والعزلة وفقدان الثقة بالنفس، لا سيما عندما تكون أسرهم قد علقت آمالاً على وصولهم إلى أوروبا لتحسين أوضاعها المعيشية.
ورغم المخاطر والتجارب القاسية، سجلت الدراسة استمرار تفكير عدد من هؤلاء الشباب في تكرار محاولة العبور، نتيجة بقاء الظروف الدافعة للمغادرة على حالها، وشعور العائدين بأن فشل المحاولة أعادهم إلى نقطة الصفر مع إحساس مضاعف بالإخفاق.
وخلصت الدراسة، التي تقدم مؤشرات نوعية تتجاوز الإحصاءات المرتبطة بالبطالة والدخل، إلى أن المقاربات الأمنية وحدها لا تكفي لمعالجة جذور الهجرة غير النظامية، داعية إلى التعامل مع الظاهرة كقضية اجتماعية ترتبط بفرص الاندماج والترقي والثقة في المستقبل وبالسياسات الحدودية الأوروبية، مع ضرورة توسيع برامج مواكبة المهاجرين العائدين لتشمل الدعم النفسي والاجتماعي إلى جانب المساعدات الاقتصادية.







