خلصت دراسة أكاديمية جديدة حول المدارس المغربية إلى أن المدير الذي يركز على التدريس ومتابعة الممارسات البيداغوجية يرتبط بمستويات أعلى من التعاون بين الأساتذة، أكثر من المدير الذي يعتمد أساسا على بناء العلاقات الجيدة داخل المؤسسة.
ونشرت مجلة Management in Education التابعة لـSAGE الدراسة، وأعدها الباحثان عمار إيبورك وعثمان العزاوزي من جامعة القاضي عياض بمراكش، اعتمادا على بيانات أول مشاركة للمغرب في الدراسة الدولية للتعليم والتعلم TALIS 2024.
وحاول الباحثان الإجابة عن سؤال يتعلق بنمط القيادة المدرسية الأكثر ارتباطا بتعاون المدرسين داخل الإعداديات المغربية، من خلال التمييز بين ما سمياه «القيادة التعليمية» و«القيادة العلائقية».
وتشمل القيادة التعليمية متابعة جودة التدريس، وتوجيه المدرسين نحو تحسين ممارساتهم، ودعم الأهداف البيداغوجية للمؤسسة، وتقديم ملاحظات مرتبطة بالتعلم. أما القيادة العلائقية فتركز أكثر على جودة العلاقات والثقة والتواصل بين المدير وهيئة التدريس.
وأظهرت النتائج أن القيادة التعليمية ارتبطت بشكل واضح ببعدين من التعاون بين الأساتذة، هما التعاون المهني المرتبط بالدروس، وتبادل المعلومات والأفكار. في المقابل، لم يجد الباحثان ارتباطا مماثلا وثابتا للقيادة العلائقية بهذين الشكلين من التعاون.
ولاحظ الباحثان أن أثر القيادة التعليمية ظهر على مستويين، داخل المؤسسة بين الأساتذة أنفسهم، وبين المؤسسات المختلفة، ما يعني أن المدارس التي يسود فيها هذا النمط من القيادة تسجل بدورها مناخا تعاونيا أقوى.
وتتقاطع هذه النتيجة مع بيانات TALIS 2024 الرسمية الخاصة بالمغرب، التي تظهر أن 37 في المائة من أساتذة الإعدادي يناقشون بانتظام تطور تعلم تلاميذ محددين، و29 في المائة يتبادلون مواد التدريس مع زملائهم، فيما يعمل 21 في المائة مع زملاء آخرين لتوحيد معايير تقييم تقدم التلاميذ.
وفي المقابل، يقول 84 في المائة من المدرسين المغاربة إنهم يستطيعون الاعتماد على زملائهم داخل المؤسسة، بينما يرى 93 في المائة أن مديرهم يحافظ على علاقات مهنية جيدة مع الموظفين، ويقول 90 في المائة إنه يقدم ملاحظات مفيدة للمدرسين، بحسب نتائج TALIS.
لكن الدراسة الجديدة تميز بين وجود علاقة جيدة مع المدير وبين الدور الذي يؤديه فعليا في تحسين التدريس. وخلص الباحثان إلى أن العلاقة المهنية الإيجابية وحدها لا تكفي لتفسير ارتفاع التعاون بين الأساتذة، بينما يظهر الارتباط بشكل أوضح عندما يكون المدير منخرطا في القضايا البيداغوجية والتعليمية.
وكشفت الدراسة أيضا فارقا بين القطاعين العام والخاص، إذ أفاد مدرسو المؤسسات العمومية بمستويات أقل بوضوح من التعاون المهني وتبادل المعلومات مقارنة بزملائهم في المدارس الخاصة، بعد التحكم في مجموعة من العوامل الأخرى داخل النماذج الإحصائية.
واعتمد البحث على قاعدة TALIS 2024، وهي أول مشاركة للمغرب في هذا المسح الدولي الذي تشرف عليه منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. وشملت المشاركة المغربية الكاملة 18,179 مدرسا ومربيا ومديرا عبر أكثر من 1,200 مؤسسة في التعليم الأولي والابتدائي والثانوي الإعدادي، بينما ركز التحليل الجديد على بيانات التعليم الثانوي الإعدادي ذات الصلة بموضوع الدراسة.
وتظهر البيانات الرسمية لـTALIS أن المدرسين في المغرب يتمتعون باستقلالية بيداغوجية أقل من متوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، كما أن مشاركتهم في اتخاذ القرارات المتعلقة بالمناهج والتدريس وسياسات المؤسسة تظل أكثر محدودية في عدد من المجالات.
ويرى الباحثان أن هذه النتائج تحمل دلالة مباشرة لإصلاح الإدارة المدرسية في المغرب، إذ تقترح أن تكوين المديرين لا ينبغي أن يقتصر على التدبير الإداري أو إدارة العلاقات داخل المؤسسة، بل يحتاج إلى تقوية مهارات القيادة المرتبطة بالتدريس ومتابعة العمل البيداغوجي.
ولا تثبت الدراسة أن نمط القيادة التعليمية يسبب مباشرة زيادة التعاون، لأنها تعتمد على بيانات ملاحظة وتصريحات المدرسين، لكنها ترصد ارتباطا إحصائيا أكثر ثباتا بين هذا النمط وبين التعاون المهني داخل المدارس المغربية.
وتأتي الدراسة في وقت يواصل فيه المغرب إصلاح منظومة القيادة المدرسية وتوسيع أدوار المديرين في تحسين جودة التعلمات، ما يجعل السؤال عن طبيعة القيادة داخل المؤسسة جزءا من النقاش حول أداء المدرسة وليس مسألة إدارية فقط.







