خلصت دراسة علمية حديثة إلى أن فترات تحسن التساقطات المطرية لم تنجح في إنهاء الإجهاد المائي المزمن بإقليم الحسيمة، بعدما أظهرت معطيات امتدت على مدى 45 عاما أن الموارد المائية بالمنطقة لم تستعد توازنها على المدى الطويل، رغم التحسن الذي سجلته خلال بعض السنوات المطيرة.
وكشفت الدراسة، التي نشرتها المجلة العلمية الدولية “Water” في 16 أكتوبر الجاري، أن إقليم الحسيمة ظل عرضة لضغوط مائية متكررة منذ ثمانينيات القرن الماضي، فيما ازدادت حدة الإجهاد خلال فترات الجفاف المتعاقبة، ولا سيما خلال السنوات الأخيرة، في مؤشر على محدودية أثر التساقطات الموسمية في معالجة الاختلالات المائية طويلة الأمد.
وأظهرت النتائج أن سنة 2017 كانت الأكثر تعرضا للإجهاد المائي خلال الفترة المدروسة، بعدما بلغ المؤشر المركب 0.829 نقطة، تلتها سنة 2023 بقيمة 0.824 نقطة، وهي مستويات تعكس حدة الضغط على الموارد المائية، مقارنة بسنة 2010 التي سجلت أدنى مستوى عند 0.218 نقطة، مستفيدة من ظروف مناخية أكثر ملاءمة.
ولم تسجل المؤشرات تحسنا مستقرا خلال السنوات اللاحقة، إذ بلغ الإجهاد المائي 0.769 نقطة سنة 2022، وارتفع إلى 0.824 نقطة سنة 2023، قبل أن يتراجع إلى 0.779 نقطة سنة 2024، وهي قيمة ظلت مرتفعة مقارنة بالسنوات التي عرفت وفرة نسبية في الموارد المائية.
وبحسب الباحثين، فإن السنوات المطيرة، ومن بينها 1996 و2010 و2018، ساهمت في تخفيف الضغط على الموارد المائية، غير أن التحسن لم يستمر، مع عودة مستويات الإجهاد إلى الارتفاع خلال فترات الجفاف التالية.
وتعزز هذه النتائج الاستنتاج الذي توصل إليه البحث بشأن الطبيعة البنيوية للأزمة، إذ لم تكشف المقارنة بين السنوات عن مسار مستقر نحو التعافي، رغم التفاوت الكبير في كميات الأمطار المسجلة خلال العقود الأربعة الماضية.
واعتمدت الدراسة، التي أنجزها باحثون من جامعة عبد المالك السعدي بالمغرب وجامعة الشمال بكرواتيا، على بيانات مناخية وهيدرولوجية وديموغرافية للفترة الممتدة بين 1981 و2025، لرصد العلاقة بين التساقطات المطرية والجريان السطحي للمياه ودرجات الحرارة والتبخر والنمو السكاني.
وأبرزت النتائج أن محدودية الجريان السطحي تمثل العامل الأكثر أهمية في تفسير الإجهاد المائي بالإقليم، بوزن نسبي بلغ 48.81 في المائة ضمن النموذج التحليلي، مقابل 24 في المائة للتساقطات المطرية، فيما توزعت بقية الأوزان بين التبخر ودرجات الحرارة والنمو السكاني.
وتشير هذه المعطيات إلى أن ارتفاع كميات الأمطار لا ينعكس بالضرورة على حجم الموارد المائية المتاحة، إذ يرتبط أثر التساقطات أيضا بكمية المياه التي تتحول إلى جريان سطحي، ومدى قدرة المنطقة على الاحتفاظ بها والاستفادة منها خلال فترات الجفاف.
وسجل الباحثون أن العامل الديموغرافي جاء في المرتبة الأخيرة ضمن العوامل الخمسة المعتمدة في الدراسة، بوزن نسبي بلغ 4.63 في المائة، مقابل تأثير أكبر للعوامل المناخية والهيدرولوجية، ما يبرز دور التقلبات الطبيعية في تفسير الوضعية المائية للإقليم وفق المؤشرات التي شملها البحث.
وعلى المستوى الموسمي، كشفت الدراسة أن شهر يوليو/تموز يسجل أعلى متوسط للإجهاد المائي، بقيمة 0.868 نقطة، يليه أغسطس/آب عند 0.853 نقطة، في وقت ينخفض فيه المؤشر إلى نحو 0.662 نقطة خلال شهري ديسمبر/كانون الأول ويناير/كانون الثاني.
ويرتبط هذا التفاوت بارتفاع درجات الحرارة والتبخر خلال الصيف، مقابل تحسن التساقطات والجريان السطحي شتاء، وهو ما يجعل الموارد المائية بالإقليم معرضة لضغوط موسمية متكررة، حتى خلال السنوات التي تسجل ظروفا مطرية أكثر ملاءمة.
ورصد البحث كذلك مؤشرات على تزايد الإجهاد المائي على المدى الطويل، وإن اختلفت نتائج الاختبارات الإحصائية بشأن قوة هذا الاتجاه، فيما أظهرت أدوات المقارنة المعتمدة تكرار السنوات التي تعرف نقصا حادا في الموارد المتاحة.
وفي ضوء هذه النتائج، اعتبر الباحثون أن التعامل مع الإجهاد المائي بالحسيمة يستدعي إعطاء أولوية لرفع قدرات تخزين المياه وتجميع الجريان السطحي، وتحسين كفاءة أنظمة الري وترشيد الاستهلاك، خصوصا خلال أشهر الصيف.
كما شددوا على ضرورة إدماج معطيات أكثر تفصيلا بشأن المياه الجوفية والاستهلاك الفعلي للقطاعات المختلفة في الدراسات المقبلة، بهدف تحسين تقدير حجم الضغوط على الموارد المائية وتطوير وسائل تدبيرها.
وتقدم الدراسة، التي شملت بيانات حتى سنة 2025 دون إصدار حكم منفصل بشأن أثر أمطار تلك السنة، مؤشرات على أن تجاوز الإجهاد المائي بإقليم الحسيمة يتطلب معالجة اختلالات تدبير الموارد المتاحة، بدلا من التعويل على التحسن الظرفي للتساقطات المطرية وحده.







