Close Menu
  • أخبار
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • تربية وتعليم
  • متابعات
  • ثقافة و فنون
  • الرياضة
  • بنوراما
  • ميديا
فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
الإثنين, أكتوبر 19, 2026
فيسبوك X (Twitter) الانستغرام RSS
طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعةطنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة
إشترك الآن
  • أخبار
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • تربية وتعليم
  • متابعات
  • ثقافة و فنون
  • الرياضة
  • بنوراما
  • ميديا
طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعةطنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة
  • أخبار
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • تربية وتعليم
  • متابعات
  • ثقافة و فنون
  • الرياضة
  • بنوراما
  • ميديا
الرئيسية » “درعٌ من ورق”.. كيف تتهاوى معالم طنجة التاريخية رغم “الحماية القانونية”؟

“درعٌ من ورق”.. كيف تتهاوى معالم طنجة التاريخية رغم “الحماية القانونية”؟

بواسطة محسن الصمدي19 أكتوبر، 2026

حين مُنح فندق “سيسيل” درع الحماية كمعلم تاريخي في ماي 2005، بدا وكأن شرفاته المطلة على ميناء طنجة قد تحصنت أخيرا ضد الزمن، لكن الحجارة لا تقرأ الجريدة الرسمية؛ ففي غضون ست سنوات فقط، بدأت وعود الحفظ تتهاوى مع انهيار سقف الفندق فوق رؤوس المارة، مخلفا ستة جرحى وإنذارا مبكرا لم يلتقطه أحد. ورغم مذكرات الاستغاثة التي بلغت مكتب المسؤولين صيف 2014 محذرة من “فاجعة مؤجلة”، تُركت الجدران المتآكلة لمصيرها في مهب رياح البوغاز، حتى لفظت واجهتها أنفاسها الأخيرة في صباح بارد من فبراير 2021.

ولم يكن سقوط الواجهة الفصل الأخير في تراجيديا هذا المعلم؛ ففي نونبر 2024، اتخذ مصيره منعطفا حاسما بصدور رخصة لإعادة بنائه وتشييد بناية ملحقة به، لتطوى بذلك سنوات من الخراب. ومع هذا التطور، دخلت البناية مرحلة مختلفة من تاريخها، أصبحت فيها المحافظة على ما تبقى من ملامحه المعمارية الأصلية مسألة ترتبط بطبيعة الأشغال المزمع إنجازها، ومدى مراعاتها للقيمة التاريخية التي من أجلها تقررت حمايته قبل نحو عقدين.

وليس مصير “سيسيل” سوى واحد من مسارات مختلفة عرفتها المباني التاريخية بطنجة؛ فبين معالم استعادت وظائفها الثقافية والسياحية بعد التأهيل، وأخرى تعرضت للتدهور، ومبانٍ ما تزال تنتظر التدخل، شهدت المدينة توسعا كبيرا في إجراءات الحماية القانونية، حيث تشير الحصيلة المرجعية المستخلصة من معطيات الوكالة الحضرية والقرارات الصادرة سنة 2026 إلى بلوغ عدد المعالم التاريخية المصنفة أو المقيدة 131 معلما، بعدما كانت القائمة تقتصر، قبل عقود، على عدد محدود من المواقع الأثرية والتحصينات والبنايات القديمة.

ووراء هذا الرقم تاريخ طويل من قرارات الحماية، وبرامج للترميم والتأهيل، ومطالبات متواصلة بإنقاذ معالم أخرى. لكن تتبع ما آلت إليه المباني والمواقع المدرجة في السجلات الرسمية يقتضي النظر إلى ما يتجاوز أعدادها، من خلال فحص وضعها القانوني وحالتها المادية، والأشغال التي استفادت منها، والموارد التي خصصت للمحافظة عليها.

ماذا تعني الحماية القانونية لمبنى تاريخي؟

لم يكن قرار حماية فندق “سيسيل” مجرد اعتراف بقيمته التاريخية، بل ترتبت عنه قيود قانونية على الأشغال التي قد تمس بنيانه أو تغير مظهره الأصلي. فقد وضع القانون رقم 22.80، المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية، نظامين أساسيين للحماية، هما الترتيب والتقييد في عداد الآثار، يختلفان من حيث الشروط المفروضة على الملاك والجهات المتدخلة، وإن كانا يشتركان في هدف المحافظة على القيمة التاريخية والمعمارية للعقارات المشمولة بهما.

فبالنسبة إلى العقارات المقيدة، يشترط الفصل السادس من القانون إشعار الإدارة قبل ستة أشهر على الأقل من الشروع في أشغال قد تغير طبيعتها أو ترميمها. أما العقارات المرتبة، فتخضع لقيود أكثر صرامة؛ إذ يمنع الفصل العشرون هدمها، ولو جزئيا، ما لم يصدر قرار مسبق بإخراجها من الترتيب، فيما يشترط الفصل الحادي والعشرون الحصول على رخصة إدارية قبل ترميمها أو إدخال تغييرات عليها.

ولا تنحصر هذه المقتضيات في البناية نفسها، إذ تمتد، وفق شروط محددة، إلى الأشغال التي قد تؤثر في مظهر محيط العقارات المرتبة. كما يتيح القانون للإدارة المساهمة في أعمال المحافظة والصيانة وتقديم إعانات للملاك في الحالات التي ينظمها. غير أن الحماية لا تعني انتقال ملكية العقار إلى الدولة، ولا حصول صاحبه تلقائيا على تمويل عمومي لترميمه، بل تظل الملكية خاضعة للالتزامات والقيود التي تفرضها القيمة التاريخية للمعلم.

وفي يونيو 2025، نشر القانون الجديد رقم 33.22 المتعلق بحماية التراث، الذي وسع مجالات الحماية وأدخل مقتضيات جديدة للجرد والتوثيق والتثمين. غير أن دخوله حيز التنفيذ ظل مرتبطا، بموجب مادته 133، بنشر النصوص التنظيمية اللازمة لتطبيقه، التي حدد القانون أجلا أقصاه ستة أشهر لإصدارها. ورغم انقضاء هذا الأجل، واصلت وزارة الثقافة الاستناد إلى القانون السابق رقم 22.80 في إصدار قرارات جديدة خلال سنة 2026، شملت تقييد بنايات تعود ملكيتها للخواص.

وهكذا، تجد الترسانة القانونية نفسها اليوم أمام تحدٍ معقد لحماية ذاكرة تسكن عقارات حديثة وخاصة. غير أن الاحتكام إلى سلطة القانون لحفظ تراث طنجة ليس وليد هذه التشابكات العقارية المعاصرة، بل هو مسار يمتد لأكثر من تسعين عاما؛ مسار لم تبدأ فصوله الأولى بحماية فنادق الواجهة البحرية أو فيلات المدينة الدولية، بل انطلق من عمق الأرض، بحثا عن شواهد أقدم بكثير.

من رُفات الفينيقيين إلى شُرفات الفنادق.. كيف اتسعت ذاكرة طنجة المحمية؟

فعلى مرتفعات “مرشان” المطلة على مضيق جبل طارق، تجسدت أولى فصول هذه الحماية. هناك، كشفت حفريات أثرية أُجريت على مراحل متقطعة بين سنتي 1910 و1960 عن 98 قبرا، نُحت أكثر من نصفها مباشرة في الصخر الكلسي. وإلى جانبها، ظهرت لقى أثرية أتاحت للباحثين تفكيك جوانب من الممارسات الجنائزية خلال العهدين الفينيقي والروماني. وأمام هذه الشواهد، تحركت الآلة القانونية في 24 مارس 1934 بصدور قرار يرتب المقبرة ضمن الآثار التاريخية، وهو ما وُثق رسميا بنشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 15 أبريل من السنة نفسها.

وبعد ست سنوات، زحفت مظلة الحماية لتشمل قلب المدينة العتيقة، حيث تقف الأسوار والحصون شاهدة على مراحل تاريخية متعاقبة؛ بدءا من دخول البرتغاليين سنة 1471، مرورا بفترة الحكم الإنجليزي خلال القرن السابع عشر، وصولا إلى استعادة المدينة في عهد السلطان المولى إسماعيل سنة 1684. هذا العمق التاريخي تُرجِم في 30 غشت 1940 عبر قرار بحماية تحصينات المدينة العتيقة وعدد من معالمها البارزة، شملت: الجامع الأعظم، مسجد عيساوة، باب البحر، سقاية الصياغين، باب دار النيابة، والقصر المعروف باسم “يورك كاستل”. ثم اتسعت دائرة الحماية سنة 1947 لتضم مشاهد عمرانية كشارع باستور وساحة القصبة ومحيطها، قبل أن تمتد لاحقا لتشمل مغارات هرقل بموجب قرار صدر في 30 دجنبر 1950.

 

لكن المفارقة أن وتيرة إصدار قرارات جديدة ظلت محدودة خلال العقود اللاحقة، متجاهلة التحولات الواسعة التي عرفتها طنجة خارج أسوارها القديمة. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، تناسلت أحياء جديدة ضمت فنادق وقنصليات ومؤسسات تعليمية وكنائس ومعابد ومسارح وعمارات سكنية، تأثرت جميعها بأنماط معمارية أوروبية ومتوسطية مختلفة. حيث شهد محيط شارع باستور والواجهة البحرية والشوارع المتفرعة عنهما انتشار مبانٍ أصبحت، مع مرور الوقت، جزءا من الذاكرة الثقافية والسياسية والاقتصادية للمدينة، لارتباطها الوثيق بحياة طنجة الدولية ونشاطها الدبلوماسي والتجاري. ولم تكن القيمة التاريخية لهذه البنايات تقاس بعمرها الزمني وحده، بل استمدت أهميتها من وظائفها، وأشكالها المعمارية، وما شهدته من أحداث وتحولات.

هذا الرصيد المعماري الفريد وجد نفسه، وفق تشخيص الوكالة الحضرية لطنجة، عرضة لضغوط متزايدة نتيجة التوسع العمراني والمضاربة العقارية، خصوصا في المناطق الواقعة خارج الأسوار؛ حيث أصبحت القيمة المالية للأرض التي تقوم عليها بعض البنايات تتقدم على قيمتها التاريخية. كما رصدت الوكالة فقدان مبان عديدة لجزء من خصائصها الأصلية، إما بسبب تغير الاستعمال، أو نتيجة تدخلات عمرانية غير ملائمة لطابعها المعماري.

وأمام هذا النزيف، تكشف معطيات الوكالة أن عدد المعالم المحمية ظل محدودا في 15 معلما طوال عقود، قبل أن تستأنف إجراءات الحماية وتيرتها سنة 2004 بقرار ترتيب فندق “فيلا فرنسا”، ليشكل هذا القرار نقطة انطلاق جديدة، توالت بعدها القرارات لتشمل فنادق ومباني تاريخية بالواجهة البحرية، من بينها “كونتينونطال”، “فالنسيا”، “إكسيلسيور”، و”سيسيل”. ثم اتسعت الدائرة بشكل لافت سنة 2007 لتضم مسرح “سيرفانتس”، “فيلا هاريس”، قصر مولاي عبد الحفيظ، المقر السابق لصحيفة “دياريو إسبانيا”، والقنصلية البريطانية السابقة.

ومثّل هذا التحول بداية التوسع الفعلي لمفهوم الحماية؛ فبعدما كان مقتصرا على المواقع الأثرية والتحصينات والمعالم الدينية، بات يحتضن بنايات تنتمي إلى التاريخ العمراني الحديث للمدينة. وهكذا دخلت المدارس والمقاهي والفيلات والعمارات السكنية والمؤسسات الثقافية والتجارية إلى سجلات التراث المحمي، بعدما فرضت قيمتها المعمارية أو التاريخية إخضاعها لإجراءات خاصة تنقذها من الاندثار. غير أن هذا التوسع النوعي لم يظل حبيس النوايا، بل تُرجم إلى “طفرة” رقمية في السجلات الرسمية، وهو ما استدعى الانتقال من استقراء التاريخ إلى استنطاق البيانات لفهم حقيقة هذه الحماية.

عامان يستحوذان على 60 في المائة من قرارات الحماية

ويكشف تحليل بيانات وزارة الثقافة أن التوسع في حماية التراث المعماري بطنجة لم يكن مسارا تراكميا هادئا، بل جاء على شكل “طفرة” مباغتة. فمن أصل 124 إدراجا في اللائحة الوطنية الصادرة دجنبر 2021، هيمنت مسطرة التقييد بـ 98 قرارا (79 في المائة) مقابل 26 قرارا للترتيب.

 

لكن الصدمة الإحصائية تكمن في التوزيع الزمني؛ إذ ابتلع عامان فقط أكثر من نصف السجل التاريخي للمدينة. فقد قفزت سنة 2016 وحدها بـ 45 إدراجا، تلتها سنة 2017 بثلاثين إدراجا، ليستحوذ العامان معا على 60.5 في المائة من إجمالي القائمة. موجةٌ مكثفة نزلت في شكل “حزم جماعية”، استهدفت محيط شارع باستور وشارع صلاح الدين الأيوبي، لتسبغ الحماية على مقاهٍ وفنادق ومؤسسات تعليمية وسكنية، وتُدخل النسيج العمراني الحديث لغرفة الإنعاش القانوني، تاركة 29 إدراجا فقط تتيم في مساحة زمنية شاسعة تمتد منذ 1934.

ولم تكن هذه “الصحوة الإدارية” المفاجئة وليدة يقظة بيروقراطية محضة، بل انتُزعت في جزء كبير منها تحت ضغط الترافع المدني. فساحة الثيران “بلاصاطورو”، على سبيل المثال، لم تجد طريقها إلى لائحة 2016 بمحض الصدفة، بل جاءت تتويجا لطلب تقييد رسمي وحملة ميدانية قادها مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية بطنجة منذ أبريل 2015. مسارٌ يرى فيه الدكتور سعيد شكري، رئيس المرصد، دليلا ملموسا على قدرة المجتمع المدني على فرض طوق النجاة القانوني للمعالم المهددة، متى ما تقاطع مع تجاوب مؤسساتي.

غير أن هذا التراكم في وتيرة القرارات لا يعني، بالنسبة للفاعلين الميدانيين، نهاية المعركة، حيث يستحضر شكري، في حديث لـ “طنجة24” ملفا آخر كـ”قصبة غيلان”، التي نجح المرصد في استصدار قرار بتقييدها أواخر 2017، ليؤكد أن المعركة الحقيقية تبدأ بعد التوقيع؛ فمرسوم الحماية لا يوقف النزيف إطلاقا إذا لم ترافقه صيانة وتأهيل فعلي على الأرض. وبالنسبة إليه، لا يعني التنبيه لوضعية معلم أو تسجيله في السجلات الرسمية أن الخطر الذي يتهدده قد زال.

غير أن الوقوف عند هذه اللائحة لا يقدم صورة نهائية ومكتملة للرصيد التراثي المحمي بطنجة، فالوثيقة الإدارية تظل رهينة تاريخ إنجازها، بينما تستمر آلة التشريع في إفراز قرارات جديدة لا تجد طريقها فورا إلى البوابات الرسمية. وهو ما ينقل التحدي من قراءة ما هو مدون، إلى تتبع ما استجد من مراسيم فرضت إيقاعا أسرع من عملية التحيين، بحثا عن الرقم الفعلي الذي يستقر عليه العداد اليوم.

 

لغز الأرقام المتضاربة.. معالم طنجة التي أسقطتها “تحديثات” الوزارة

في رحلة البحث عن هذا الرقم الفعلي، يضع الدكتور أحمد الطلحي، الباحث المتخصص ومؤلف كتاب “التراث المعماري لطنجة”، قاعدة منهجية تنطلق أساسا من المصادر الرسمية، وفي مقدمتها مديرية التراث الثقافي. غير أن الاحتكام إلى البوابة الإلكترونية للوزارة يكشف سريعا عن فجوة زمنية؛ فهذه الواجهة التي يُفترض أن تعكس الوضع الراهن، توقفت عقاربها عند سنة 2018، لتتخلف بذلك عن ركب القرارات التي توالى صدورها لاحقا.

فبحسب تتبع الطلحي، تجاوزت آلة التشريع هذه القائمة المنشورة عبر إجراءات حماية جديدة، شملت خمسة معالم خلال سنة 2024، وخمسة أخرى في سنة 2026. وأمام هذا التأخر في تحيين السجل المركزي، يبرز تصميم التهيئة كمرجع مكمل يوثق معطيات القطاعات والمباني التاريخية بالمدينة، إلا أن هذا البديل التخطيطي يظل بدوره رهينا بضرورة التحديث المستمر، حتى ينجح في استيعاب وعكس التحولات المتسارعة التي تشهدها خريطة التراث المحمي بطنجة.

وبالغوص في المقررات الصادرة سنة 2024، يتبين أن المعالم الخمسة التي طالتها قرارات الحماية لم تخضع لنفس المسطرة القانونية، فقد وثقت الجريدة الرسمية (عدد 7279) صدور القرار الوزاري رقم 33.24 القاضي بـ”تقييد” فيلا أكومي ومقبرة الحيوانات بحي بوبانة في عداد الآثار، بينما اكتفت قرارات أخرى بإدراج قصر طاليانو، محطة القطار القديمة، وفيلا سفاري ضمن “السجل الوطني للجرد”.
هذا التباين يكتسب أهمية بالغة عند تجميع الحصيلة؛ فالإدراج في سجل الجرد لا يمنح الحصانة القانونية ذاتها التي يوفرها الترتيب أو التقييد، وهو تفصيل دقيق يبرز في توصيف محطة القطار القديمة؛ فبينما يعتبرها الطلحي تدخلا حمائيا ضمن تصنيفات 2024، تحددها وثائق الوكالة الحضرية كإدراج في سجل الجرد فقط.

وتكشف الكرونولوجيا الرسمية أن الوكالة الحضرية لطنجة حصرت عدد المعالم المصنفة أو المقيدة بنهاية 2024 في 126 معلما، حصيلةٌ تعززت لاحقاً بصدور القرار الوزاري رقم 1611.26 (المنشور بالجريدة الرسمية في شتنبر 2026)، والذي قضى بتقييد خمس بنايات تاريخية إضافية تقع جميعها ضمن الملكيات الخاصة. شملت المقر السابق لإذاعة إفريقيا طنجة بحي المصلى، وفيلا بشارع هولندا، وبناية بشارع فيكتور هيغو، وفيلا بشارع ابن زيدون، إلى جانب فيلا مقري. وبإضافة هذه المعالم الخمسة إلى أرقام الوكالة الحضرية، يستقر العدد المرجعي عند 131 معلما.

 

غير أن الوصول إلى هذا الرقم لا يغلق باب التمحيص. فمراجعة السجلات تطفو بملاحظات تستوجب تدقيقاً صارماً قبل اعتماد المجموع كجرد نهائي للعقارات المستقلة؛ إذ لا تزال اللائحة الوزارية تدرج مواقع خارج المجال الحضري لطنجة (كالقصر الصغير وزليل)، كما تورد إشارة إلى “إجراء بحث” لترتيب قصر فوربيس، وهو مسار إداري لا يعادل قرار الترتيب النهائي. يُضاف إلى ذلك تكرار ظاهري لتسمية إحدى البنايات بشارع صلاح الدين الأيوبي.

هذه الثغرات التوثيقية لا تلغي الحصيلة المرجعية المعلنة، لكنها تضع اليد على حاجة ملحة لإرساء قاعدة بيانات موحدة، تربط كل معلم باسمه، عنوانه، رسمه العقاري، وتاريخ ونوع حمايته، لفض الاشتباك بين المواقع الأثرية، المباني المستقلة، والمجموعات المعمارية.
وهنا يتقاطع التشخيص الإداري مع الرؤية الميدانية؛ إذ يشدد الدكتور سعيد شكري على أن التحيين القانوني للقوائم يظل قاصرا ما لم يُذيل بالحالة الفعلية لكل معلم والجهة المسؤولة عن تدبيره. مقاربةٌ تفرض، بحسب رئيس المرصد، فك الارتباط الذهني بين المباني المحمية بقرارات رسمية، وتلك التي تمتلك قيمة تراثية تستحق الإنقاذ، دون افتراض خضوعها جميعا لنفس المظلة القانونية.

 

ملفات على الرفوف.. الكلفة القاسية للبطء الإداري

هذا التمييز الجوهري الذي يضعه رئيس المرصد بين القيمة التراثية للمعلم وحصانته القانونية، يفتح الباب أمام إشكالية أخرى لا تقل تعقيدا؛ فالأمر لا يقتصر فقط على صعوبة توثيق معالم أُدرجت في السجلات ولم تُحين بياناتها، بل يمتد ليشمل مباني ومواقع ما تزال قابعة في قاعات انتظار الإدارة، خارج أي مظلة للحماية الوطنية، رغم وجود مطالب رسمية سابقة لإنقاذها.

ففي سنة 2015، وبحسب ما يكشفه الدكتور أحمد الطلحي، وُضعت على طاولة الوزارة المكلفة بالثقافة 21 مقترحا لحماية معالم تاريخية بطنجة. مسارٌ إداري اصطدم في بدايته برفض اللجنة المركزية لطلب واحد يخص “فندق المرسى”. أما الطلبات العشرون المتبقية، فلم تعرف طريقها إلى التفعيل إلا ببطء شديد؛ حيث يوضح الباحث أن طلبين فقط حظيا باستجابة لاحقة بعد سنوات من الانتظار، يتعلق الأول بـ”محطة القطار القديمة” (سنة 2024)، والثاني بـ”فيلا مقري” (سنة 2026).

في المقابل، لم يُحسم مآل المقترحات الثمانية عشر المتبقية إلى حدود أكتوبر 2026. وتبرز حساسية هذا المعطى الزمني بالنظر إلى طبيعة المحيط الحضري لهذه المعالم؛ فهي تتواجد داخل أحياء تشهد دينامية عمرانية متواصلة، مما يجعل البناية، طوال فترة دراسة الملف، مفتوحة على احتمالات تغيير النشاط أو إدخال تعديلات قد تسبق صدور قرار الحماية، وتؤثر في خصائصها المعمارية الأصلية.

 

وتضم لائحة الانتظار التي صاغها الطلحي رصيدا لا يستهان به من ذاكرة المدينة، يشمل: مسجد القصبة، كنيسة لابوريسما، المعبد اليهودي موسي ناحون، البناية القديمة لبنك المغرب، برج دار البارود، قصر بيرديكاريس، كنيسة سان أندريو، بناية التلغراف القديمة، الديوانة القديمة، وبرج الغندوري. ورغم تباين هذه المواقع من حيث التواريخ والوظائف وطبيعة الملكية، إلا أنها تتقاطع في تجسيدها للتنوع العمراني لطنجة؛ وهو غنى يرى الباحث أنه يفرض استعجالية إخضاعها لدراسات الحماية.

ولا تقف حدود هذه الملفات المعلقة عند حزمة 2015 وحدها؛ إذ يوسع الطلحي دائرة الرصد لتشمل معالم أخرى لم تُقترح حمايتها أصلا، وأخرى رُفعت بشأنها ملفات في سنوات متفرقة دون البت فيها، فضلا عن المبادرات الترافعية لجمعيات وهيئات مدنية محلية. وتتجسد هذه الرؤية الشاملة في كتابه “التراث المعماري لطنجة، الصادر سنة 2022، والذي اقترح فيه إخضاع عشرات المواقع والبنايات ذات القيمة التاريخية والفنية والمعمارية للحماية. ومن بين هذه المقترحات، يسجل الطلحي استفادة معلمين اثنين فقط من إجراءات رسمية لاحقة، هما “مقبرة الحيوانات” و”قصر طاليانو”، مع تباين في الطبيعة القانونية للحماية التي نالها كل منهما.

وتطرح هذه الحالات إشكالية هيكلية تتجاوز مجرد إحصاء عدد الطلبات المقبولة أو المرفوضة؛ لتسائل مدى وضوح المساطر، والآجال الزمنية المخصصة لدراسة الملفات، وغياب الآليات التي تتيح للباحثين والجمعيات تتبع مآل مقترحاتهم المرفوعة.

ومع ذلك، لا يعني غياب قرارات الترتيب أو التقييد تجريد هذه المعالم من كل دروع الحماية؛ إذ تستفيد بعض البنايات الواقعة داخل قطاعات تاريخية من ضوابط خاصة تفرضها وثائق التعمير. غير أن الطلحي يشدد على أن الإلمام الدقيق بهذا الرصيد يتطلب جهدا موازيا يطابق القوائم الرسمية مع الخرائط والمراجع العقارية والأبحاث التاريخية، كي لا تظل خريطة التراث محصورة فقط في المعالم التي استكملت، بشق الأنفس، مسار الحماية الوطنية.

 

درعٌ من ورق.. كيف يعجز “القانون” عن صد انهيار الأسقف؟

وبقدر ما يهدد طول الانتظار الإداري المعالم غير المصنفة بطمس هويتها، فإن استكمال مسطرة الحماية بنجاح لا يضمن للبناية، بالضرورة، حصانة مادية ضد التدهور. وتتجسد هذه المفارقة حين يضع الباحث أحمد الطلحي فندق “سيسيل” ضمن الأمثلة التي يصفها بـ”المؤلمة” في مسار المحافظة على التراث المعماري بطنجة؛ فهذا المعلم الذي نال قرار ترتيبه في عداد الآثار منذ سنة 2005، تعرض، وفق تقييمه، لإهمال كبير أعقبته انهيارات وهدم لأجزاء مهمة منه.

ولا يقف الأمر عند الفندق، بل يستحضر الباحث نماذج أخرى تقاسمت الوضع ذاته، كمعهد مولاي المهدي الذي شمله قرار التقييد سنة 2009، وسينما موريتانيا التي أُدرجت ضمن التراث المحمي سنة 2016، مشيرا إلى توقف ورش الأشغال بهذه الأخيرة وعدم وضوح مصيره.

غير أن الطلحي لا يقدم هذه الحالات كقاعدة إحصائية تنسحب على جميع المعالم المصنفة، بل يسوقها كأدلة واقعية تؤكد أن الوضع القانوني للحماية لا يغني عن التدخلات الميدانية الضرورية لإنقاذ البنايات. وفي الوقت الذي يقر فيه بالمجهودات المبذولة خلال السنوات الماضية، والتي أسهمت في إبراز معالم تاريخية بالمدينة، يرى الباحث أن وتيرة أعمال الصيانة والترميم ما تزال محدودة مقارنة بحجم الحاجيات الفعلية للرصيد التراثي.

وتختلف طبيعة الأضرار والملاحظات التي تثار بشأن المعالم التاريخية؛ فبعضها يتعلق بتلف يصيب مواد البناء أو أجزاء من الهيكل، بينما يرتبط بعضها الآخر بتدخلات معمارية قد تؤثر في المظهر الأصلي، أو بتغيرات تطال المحيط الطبيعي والعمراني للمعلم.

وفي هذا السياق، كشف سعيد شكري أن زيارة ميدانية نظمها المرصد إلى منارة الشرف في يناير 2026 سجلت تدهور بعض المرافق، وتشققات في بنايات تاريخية مجاورة، فضلا عن تأثر العلاقة البصرية للموقع بالبحر نتيجة التوسع العمراني. غير أنه شدد على أن هذه الملاحظات تستدعي المعاينة والتدخل، مع ترك تحديد السلامة الإنشائية ودرجة الخطورة للخبرة التقنية المختصة.

ويرى رئيس المرصد أن المحافظة على التراث ينبغي ألا تقتصر على جدران البناية، لأن محيطها واستعمالها وعلاقتها بالمجال الذي توجد فيه تشكل عناصر مترابطة من قيمتها التاريخية. كما أن أي تدخل لترميم الأسوار والتحصينات ينبغي أن يراعي مراحل بنائها المختلفة، والمواد والتقنيات التي تميز كل مرحلة، بدلا من التعامل معها باعتبارها منشآت متجانسة.

وفي منزل بني إيدر، المرتبط بإقامة الكاتب الفرنسي ألكسندر دوما، أثارت زيارة نظمها المرصد ملاحظات بشأن الباب والنافذة ومدى انسجامهما مع الواجهة الأصلية. ويوضح شكري أن المطلب كان إجراء تقييم للأشغال وتصحيح ما قد يثبت تعارضه مع الخصائص التاريخية للبناية، دون استباق نتائج الفحص أو الجزم بوجود مخالفة قانونية.

ويؤكد في هذا الصدد ضرورة التمييز بين تسجيل ملاحظة على تدخل معماري وبين إثبات عدم مطابقته للقانون، لأن الحسم في الأمر يتطلب الرجوع إلى التراخيص والوثائق وقرارات الحماية. وهو تمييز تزداد أهميته في المباني التاريخية التي قد تعرف أعمال إصلاح أو تغيير يصعب تحديد طبيعتها القانونية من خلال المعاينة البصرية وحدها.

وامتدت تدخلات المرصد إلى فضاءات لا تنحصر قيمتها في المباني القائمة داخلها. ففي سنة 2019، ساهم في الاعتراض على مشروع لإقامة مرأب بحدائق المندوبية، دفاعا عن أشجارها ومحيطها وقيمتها التاريخية والبيئية. كما طالب بحماية موقع كوطا وتأهيله للزيارة، ضمن ملفات تابعها من خلال المراسلات والزيارات والتنبيه والترافع.

ويقول شكري إن المرصد يتوفر على تقارير وبلاغات وصور منشورة توثق جانبا من ملاحظاته، لكنه يعتبر أن هذه المواد لا تعوض الحاجة إلى جرد مؤسساتي محين وتشخيص علمي يحدد حالة كل معلم ومسؤوليات التدخل فيه. كما يلفت إلى أن نتائج الملفات التي يتابعها المرصد ليست متشابهة؛ فبعضها عرف تقدما قانونيا، بينما ما يزال بعضها الآخر يحتاج إلى متابعة ميدانية أو استجابة مؤسساتية.

 

هندسة التدخل.. الجدل التقني حول الهوية الأصلية للمعالم

وإذا كانت مشاهد التدهور تضع الجهات الوصية أمام مطلب “التدخل العاجل” لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فإن الاستجابة لهذا المطلب لا تنهي الجدل دائما، بل تنقله غالبا إلى مربع آخر يتعلق بطبيعة الأشغال المنجزة ومدى احترامها للعناصر المعمارية الأصلية. و تبرز “فيلا هاريس” كنموذج حي لهذا السجال الميداني؛ حيث تتقاطع حولها قراءتان متباينتان لكل من أحمد الطلحي وسعيد شكري، لتجسدا الخيط الرفيع الفاصل بين إحياء الوظيفة الثقافية للمبنى، وبين المساس بأصالته الهندسية.

فالفيلا المرتبطة باسم الصحفي البريطاني والتر بورتون هاريس خضعت لأشغال أعادت توظيفها فضاء متحفيا. غير أن الطلحي ينتقد طبيعة تلك الأشغال بحدة، معتبرا أن البناية تعرضت للهدم وإعادة البناء بتصميم غير مطابق لتصميمها الأول، وهو ما يراه مساسا صريحا بأصالتها المعمارية، رغم تمتعها بمظلة الحماية القانونية.

ويستحضر الباحث واقعة قال إنها تزامنت مع زيارة ميدانية لخبراء من “اليونسكو”، كانوا يتعاونون مع فاعلين محليين في إعداد ملف لترشيح طنجة للتراث العالمي، في الوقت الذي كانت فيه الجرافات تعمل على هدم البناية. وبحسب روايته، انتقد الخبراء الأشغال بشدة، ونقل عنهم قولهم: «كيف تريدون تصنيف المدينة ضمن التراث العالمي وأنتم لا تحافظون على تراثكم المصنف ضمن التراث الوطني؟ «.

في المقابل، يقدم سعيد شكري قراءة مغايرة تثمن إعادة تأهيل “فيلا هاريس” واحتضانها لمتحف طنجة، مستحضرا المبادرات التي سبق للمرصد تنظيمها للترافع من أجل حماية هذا الفضاء ومحيطه. ولا يتقاطع هذا التقييم بالضرورة مع الجوانب التقنية التي ينتقدها الطلحي؛ فإعادة فتح المعلم أمام الزوار بوظيفة ثقافية جديدة تختلف، منهجيا، عن التقييم الهندسي لمدى المحافظة على تصميمه ومواده الأصلية.

 

خلف هذا التباين في الآراء، تبرز حقيقة ميدانية لا يمكن إغفالها: ليس كل نجاح وظيفي في تشغيل بناية تاريخية هو بالضرورة نجاح معماري. فأن تنبض جدران المعلم مجددا بنشاط ثقافي شيء، وأن تحافظ على أصالتها شيء آخر تماماً. والفيصل في هذه المعادلة ليس الشريط الأحمر للافتتاح، بل العودة القاسية إلى الأرشيف ومقارنة ما كان بما أصبح، لمعرفة العناصر التي نجت من التشويه، وتلك التي مسحتها جرافات التأهيل.

ومن هذا المنطلق، يشدد الطلحي على أن اختيار نوع التدخل ينبغي أن يستند سلفا إلى دراسة تاريخية وأخرى تقنية، مع مراعاة القيمة الفنية لكل بناية. ويميز الباحث بوضوح بين التجديد (Rénovation)، ورد الاعتبار أو إعادة التأهيل (Réhabilitation)، والترميم (Restauration)، باعتبارها تدخلات تختلف بحسب الغاية منها وطبيعة المعلم وحالته المادية.

ويخلص الباحث إلى أن المباني ذات القيمة التاريخية والمعمارية العالية تحتاج إلى تدخلات دقيقة تحافظ قدر الإمكان على شكلها الأصلي، ولا تكتفي بالصيانة والإصلاح العامين. كما يؤكد على حتمية استعمال المواد التي تتلاءم مع طبيعة البناء التاريخي، والمحافظة على مواده الأصلية كلما سمحت حالتها بذلك، حتى لا تتحول عمليات “الإنقاذ” إلى طمس للخصائص التي من أجلها تقررت الحماية.

 

شهادة ميلاد ثانية.. معالم طنجة التي ربحت رهان “البقاء”

وفي مقابل هذا السجال التقني حول جودة الترميم، لا تقدم مشاريع تأهيل التراث بطنجة صورة قاتمة بالكامل. فخريطة المدينة تحتفظ بنقاط مضيئة لمعالم أفلتت من دائرة الخراب واستعادت نبضها الفعلي، بعدما خضعت لتدخلات أعادت إدماجها بنجاح في الشرايين الثقافية والسياحية.

ومن أبرز هذه التجارب، تبرز “دار النيابة” التي خضعت لعملية تأهيل شاملة تُوجت بفتح أبوابها كفضاء متحفي سنة 2022، إلى جانب “قيسارية جبالة” وبعض المكونات التاريخية للقصبة. مسارٌ يرى فيه سعيد شكري جهدا يستحق التثمين، بالنظر إلى دوره المحوري في إنقاذ بنايات ومرافق تضرب بجذورها في عمق الذاكرة المحلية.

وفي محيط القصبة دائما، يقدم السجن القديم، الذي تحول إلى فضاء للفن المعاصر سنة 2021، نموذجا حيا لإعادة التوظيف. وهو مسار يتقاطع، وفق رئيس المرصد، مع تجربة “برج النعام” المحتضن لفضاء ذاكرة ابن بطوطة، وقصر “بيرديكاريس” الذي استحال مركزا للتعريف بالتراث؛ حيث تمثل هذه النماذج نقطة توازن بين ترميم الجدران وفتحها للعموم.

غير أن شكري يضع شرطا أساسيا لضمان نجاح هذه المشاريع، محذرا من الاكتفاء بلحظة قص الشريط. فاستدامة هذا النبض تتطلب يقظة مستمرة، مقترحا إرفاق كل مشروع بخطة صيانة صارمة ومتابعة تقنية دورية، تضمن استمرار استفادة الساكنة والزوار، وتمنع عودة المعلم إلى دائرة النسيان والإهمال بمجرد انتهاء الأشغال.

وتتجسد الحاجة الماسة لخطط التدبير البعدي بشكل جلي في ملف مسرح “سيرفانتس” الكبير. هذا الصرح الذي شكل منذ افتتاحه سنة 1913 أيقونة للحياة الفنية بطنجة، قبل أن يغرق في عقود من التدهور، يشهد اليوم فصولا جديدة من التأهيل ضمن إطار التعاون المغربي الإسباني. ووفقاً للمعطيات المنشورة في يوليوز 2026، والتي استحضرها شكري، تواصل اللجنة المشتركة تتبع هذا الورش المعقد. لكن رئيس المرصد يشدد على أن التحدي الحقيقي يكمن في تحديد النموذج التدبيري والثقافي للمسرح بعد التسليم، لضمان استعادته لإشعاعه الفني في بيئة تصون بنيانه التاريخي.

 

شيخوخة الحجارة.. الخلاصات المنسية للتشريح العلمي لأسوار طنجة

ولمقاربة هذه الخصائص الأصلية للبنايات بدقة، وبعيدا عن النقاشات المرتبطة حصرا بوظائف التأهيل، تبرز الأبحاث العلمية كآلية ضرورية لفهم طبيعة التدهور الذي يصيب المعالم التاريخية؛ خصوصا التحصينات المبنية بالحجارة والمواد التقليدية، والتي ظلت لقرون طويلة عرضة لتقلبات الطبيعة والتدخلات البشرية.

في هذا السياق، تبرز المهمة العلمية التي أنجزها فريق بحثي مغربي-برتغالي سنة 2010، بجهد مشترك بين جامعة عبد المالك السعدي وجامعة “نوفا” بلشبونة. الفريق، الذي ضم الباحثين جواكيم سيماو (Joaquim Simão)، نونو ليال (Nuno Leal)، أنطونيو كارلوس غالهانو (António Carlos Galhano)، وعبد الخالق بنموسى، وجّه مجاهره لدراسة مواد بناء المواقع الأثرية بشمال المغرب، مع التركيز على تحصينات طنجة لفهم آليات تدهورها واقتراح حلول علمية لحمايتها.

وقد وثق التقرير المتمخض عن هذه المهمة، المنشور سنة 2011، مظاهر تدهور معقدة في أسوار طنجة التاريخية، تداخلت في صنعها العوامل الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية. ورصدت المعاينات الميدانية تفشي التشققات في بعض المكونات البنائية، وتآكل أجزاء من الجدران، مع زحف النمو النباتي داخل الشقوق المتضررة، في ظل محدودية أعمال الصيانة التي كانت سائدة قبل إنجاز الدراسة.

ولم يكتفِ الباحثون برصد التلف الظاهري، بل فككوا البنية المادية للتحصينات، كاشفين عن تشييدها باستخدام تشكيلة متنوعة من الصخور الرسوبية (الأحجار الرملية والأحجار الرملية الكلسية)، مدعومة بعناصر خزفية ومواد رابطة. وهي تركيبة تجعل تأثر الجدران بالرطوبة والتعرية يختلف من نقطة لأخرى، مما يفرض هندسة تقنيات ترميم تتلائم بدقة مع الخصائص الكيميائية والفيزيائية لكل مادة.

ورغم أن هذه المعاينات تعود إلى سنة 2010، ولا تعكس بالضرورة الوضع الراهن لتحصينات طنجة بعد أوراش التأهيل اللاحقة، إلا أن خلاصاتها المنهجية تظل قائمة؛ لتثبت أن التدخل الميداني يستوجب تشخيصا دقيقا لتركيبة المواد وأسباب تحللها الداخلي لتحديد نوع الترميم الملائم، بدلا من الاكتفاء بالإصلاحات السطحية.

وتنسجم هذه الخلاصات العلمية بشكل وثيق مع المقاربة التي يدافع عنها الباحث أحمد الطلحي، حين يشدد على أولوية إنجاز الدراسات التاريخية والتقنية قبل الشروع في أي مشروع للترميم. كما تلتقي وتدعم الرؤية الميدانية لسعيد شكري المؤكدة على ضرورة توثيق مراحل بناء الأسوار واحترام التقنيات المختلفة المستخدمة في كل حقبة، على اعتبار أن هذه التباينات المادية في مواد البناء ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل تشكل في حد ذاتها جزءا أصيلا من الذاكرة العمرانية للمدينة.

 

كلفة الإنقاذ.. أموال عمومية ضخمة تبحث عن أثر ملموس

وأمام هذه المتطلبات التقنية الدقيقة، لا تنفصل المحافظة على المعالم التاريخية عن حجم الموارد المالية المرصودة لها، خصوصا في مدينة شهدت خلال السنوات الأخيرة برامج واسعة لإعادة تأهيل نسيجها العمراني القديم. غير أن قراءة الأرقام العمومية المعلنة تقتضي تفكيكا منهجيا، للتمييز بين الاستثمارات المخصصة للتأهيل الحضري العام، والمبالغ التي استفادت منها المعالم المحمية بصورة مباشرة.

فقد رصد لبرنامج إعادة تأهيل وتثمين المدينة العتيقة بطنجة، خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2024، غلاف مالي إجمالي بلغ 850 مليون درهم. وهو مبلغ ضخم شمل تدخلات متعددة في البنية التحتية، الفضاءات العمومية، المرافق، والخدمات، إلى جانب ترميم بعض الأسوار والأبراج والأبواب التاريخية، وإعادة تأهيل مبانٍ ذات وظائف ثقافية وسياحية.

 

ووفق مذكرة التوزيع الجهوي للاستثمار المصاحبة لمشروع قانون المالية لسنة 2026، بلغت نسبة الإنجاز المادي التراكمية لهذا البرنامج 85 في المائة، فيما وصلت نسبة الإنجاز الميزانياتي التراكمية إلى 90 في المائة، مع برمجة اعتمادات أداء بقيمة 15 مليون درهم خلال السنة نفسها.

وتعكس هذه المؤشرات تقدما ملموسا في تنفيذ البرنامج العام، لكنها لا تعني آليا أن 85 في المائة من المباني التاريخية المحمية خضعت للترميم؛ فالتدخلات تشمل في طياتها أشغالا عمرانية وتجهيزية لا ترتبط جميعها بالمعالم المدرجة ضمن التراث الوطني.

وفي موازاة هذا البرنامج الشامل، تكشف مذكرة التوزيع الجهوي للاستثمار برسم سنة 2024 عن مشروع محدد لترميم وإعادة تأهيل وتثمين أربعة مواقع تراثية بطنجة، بكلفة إجمالية تبلغ 70 مليون درهم، مع اعتماد أداء قدره 15 مليون درهم خلال السنة ذاتها.

إلا أن هذه المعطيات الرقمية لا تسمح باعتبار جميع المبالغ المعلنة نفقات مصروفة فعليا على المعالم المحمية؛ فالكلفة الإجمالية المبرمجة تختلف محاسبيا عن الاعتمادات السنوية والنفقات المنفذة، كما أن بعض البرامج قد تتقاطع في نطاقها الجغرافي أو مصادر تمويلها. ويُضاف إلى ذلك ضرورة التمييز بين ميزانية “الترميم الأولي”، وبين الموارد التي يُفترض تخصيصها لـ”الصيانة المستدامة” بعد تسليم الأشغال.

ورغم توفر بيانات عامة عن البرامج والمشاريع الكبرى، تصطدم مساعي تتبع هذا الملف بغياب التفاصيل في الوثائق العمومية المتاحة؛ إذ لا تتيح هذه المصادر إعداد حصيلة مالية دقيقة تحدد، لكل معلم محمي بطنجة على حدة، تاريخ آخر عملية ترميم، الكلفة النهائية للأشغال، الجهة الممولة، وما إذا كان المشروع قد خضع لتقييم تقني بعد التسليم.

وسعيا منا لتجاوز هذا البياض المرجعي، بادرنا بتوجيه مراسلة رسمية إلى المديرية الجهوية للثقافة بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، نطلب فيها تفاصيل الميزانيات المرصودة لتلك التدخلات، مع تحديد المبالغ المنفذة فعليا، الجهات الممولة، وتواريخ الإنجاز، غير أننا لم نتلقَّ أي رد بهذا الخصوص إلى حدود كتابة هذه الأسطر.

وبطبيعة الحال، لا يعني هذا الغياب للمعطيات التفصيلية في المصادر المفتوحة أن الأشغال لم تنجز، أو أن رفوف المؤسسات المعنية تخلو من سجلاتها؛ لكنه يحد بشكل كبير من إمكانية قياس الأثر الفعلي للموارد العمومية المعبأة لإنقاذ الرصيد التراثي، خصوصا في ظل افتقاد بيانات شفافة تربط حجم الإنفاق المالي بالحالة المادية للمباني قبل التدخل وبعده.

 

وفي هذا السياق، يشدد سعيد شكري على أن تقييم التدبير العمومي لا ينبغي أن يُختزل في إحصاء المشاريع المنجزة أو أشرطة الافتتاح، بل يجب أن يشمل القدرة على توفير الصيانة البعدية ومعالجة أسباب التدهور المستجدة. وإذ يُثمن رئيس المرصد ما أثمرته عمليات التأهيل من إنقاذ لعدة معالم، فإنه يعتبر أن حماية هذه المكتسبات من زحف الإهمال يمثل تحديا قائماً بذاته؛ وهو تحدٍ يكتسب تعقيدا مضاعفا حين ننتقل من المباني التي نالت حظها من التمويل، إلى باقي الرصيد التراثي المهدد الذي لا يزال ينتظر دوره في طوابير الإنقاذ.

 

قانون الطوارئ التراثي.. كيف نُهندس خارطة الإنقاذ قبل فوات الأوان؟

وإذا كان ضمان استدامة المشاريع المنجزة يصطدم بتحديات التدبير البعدي وندرة المعطيات المالية، فإن خطوة “ما قبل الترميم” تواجه عقبة أعمق. فبالنسبة للباحث أحمد الطلحي، لا تتوقف الصعوبة عند الضبابية التي تلف الميزانيات وحدها، بل تتجاوزها إلى غياب دراسات تشخيصية كاملة تحدد بدقة وضعية التراث المعماري بطنجة. ويشدد المتحدث على أن تحديد المعالم التي تحتاج إلى الصيانة أو الترميم لا يمكن أن يُبنى على الانطباعات أو المعاينات البصرية المتفرقة، بل يقتضي جردا شاملا يتبعه تقييم تقني دقيق لكل موقع وبناية.

ولتنزيل هذه العملية، يقترح الباحث الانطلاق أولا من استثمار الأبحاث التاريخية والمعمارية المتاحة، والرجوع إلى الوثيقة الخرائطية لتصميم التهيئة؛ وتحديدا القطاعات التاريخية الموسومة بالرمز «SH» اختصارا لعبارة Secteur historique، كخطوة أساسية لحصر المباني والمواقع الموجودة داخلها وتحديد خصائصها وقيمتها التاريخية.

وبعد استكمال الجرد، تحل مرحلة التشخيص الميداني للوقوف على الحالة الفعلية لكل معلم، وتحديد نوع الأضرار التي تعرض لها، ومن ثمة تسطير التدخلات المناسبة للمحافظة عليه. ويقر الطلحي بأن هذه العملية تحتاج إلى وقت وجهد وموارد مالية مهمة، لكنه يعتبرها استثمارا ضروريا لحماية رصيد لا يمكن استرجاع عناصره الأصلية أو إعادة إنتاجها بعد ضياعها.

وتلتقي هذه المقاربة المنهجية مع دعوة الدكتور شكري إلى إعداد جرد محين يحدد، إلى جانب الحالة المادية لكل معلم، وضعه القانوني والعقاري والجهة المسؤولة عن تدبيره. حيث يؤكد أن ترتيب أولويات التدخل ينبغي أن يحتكم إلى الخبرة التقنية، مع التمييز بين المواقع التي تحتاج إلى إجراءات عاجلة لتأمينها، وتلك التي تستوجب ترميما متخصصا أو مجرد صيانة دورية.

وفي هذا الإطار، حدد المرصد مجموعة من المعالم التي يرى أنها تحتاج إلى اهتمام عاجل وتقييم ميداني، من بينها المواقع الجنائزية المعروفة بالمقبرة الفينيقية والمقبرة الرومانية، قصر مولاي عبد الحفيظ، بناية بنك موشي باريانتي، سقاية الصياغين، بناية سينما بنتريعة المعروفة باسم “التلمساني”، حمام دار البارود، والقصر المعروف باسم “يورك كاستل”.

غير أن شكري يوضح أن إدراج هذه المعالم في لائحة واحدة لا يعني تشابه حالتها أو تصنيفها جميعا في خانة الخطر المحدق، مشددا على أن الغاية من هذا الفرز هي الدعوة إلى إجراء تشخيص يحدد نوع التدخل المناسب لكل حالة، وليس إصدار أحكام مسبقة بشأن درجة خطورتها.

وبناء على هذا الاختلاف في الطبيعة والوظيفة، يقترح المرصد تخصيص المواقع الأثرية الجنائزية بتشخيص يشرف عليه مختصون في الآثار والحفظ، مع حماية البقايا وتنظيم مسارات الولوج وصيانة المحيط. أما القصور والمباني التاريخية، فيرى أنها تحتاج إلى تقييم سلامتها وعناصرها المعمارية الأصلية قبل تحديد الأشغال التي ينبغي تنفيذها.

في المقابل، تستدعي الفضاءات التي ارتبطت بالحياة اليومية، كالسقايات والحمامات ودور السينما القديمة، مقاربة تراعي أيضا ذاكرة وظائفها واستعمالاتها الاجتماعية والثقافية؛ بحيث لا تقتصر المحافظة عليها على إصلاح البناية المادية، بل تشمل توثيق الدور الذي أدته في حياة السكان ومواكبتها للتحولات التي عرفتها المدينة.

ولترجمة هذه الخطوات عمليا، يقترح رئيس المرصد إعداد “بطاقة تدخل” خاصة بكل معلم، تتضمن وضعه القانوني والعقاري، المالك أو الجهة المدبرة له، الأضرار المثبتة، الأشغال المطلوبة، إلى جانب الكلفة التقديرية وآجال الإنجاز. وعندما تثبت الخبرة وجود خطر يستدعي تدخلا عاجلا، يُقترح إعطاء الأولوية لتدابير التأمين والتثبيت، قبل الانتقال إلى مرحلة الترميم والصيانة.

ويعتبر شكري أن تنزيل هذا المسار الميداني يتطلب تنسيقا أفقيا وعموديا بين قطاع الثقافة، والإدارات الحكومية المعنية، والجماعات الترابية، والسلطات المحلية، مع إشراك فعلي للملاك والمدبرين والخبراء، مشددا في هذا الصدد على ضرورة تحديد “جهة مخاطَبة” وحيدة وواضحة لكل ملف، تفاديا لتشتت المسؤوليات وتيه مسارات التدخل والمتابعة بين مكاتب مؤسسات متعددة؛ وهو تشتت يوضع اليوم تحت مجهر المساءلة المؤسساتية مع ارتفاع سقف الطموحات لتدويل هذا التراث.

 

رهان “اليونسكو”.. طموح عالمي يضع التدبير المحلي تحت المجهر

ويكتسب مطلب توحيد المسؤوليات راهنية قصوى، في ظل تقاطع السجال الداخلي حول واقع المعالم التاريخية بطنجة مع الطموح الدولي المتمثل في عودة المبادرات لإعداد ملف ترشيح تراث المدينة للتسجيل ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة “اليونسكو”، وهو مسارٌ لا يقتصر امتحانه على إثبات القيمة التاريخية والمعمارية للمواقع المرشحة، بل يفرض بالأساس ترسيم حدودها، وتوضيح آليات حمايتها، مع تحديد دقيق لحجم الالتزامات التي ستتحملها المؤسسات الوصية لضمان استدامتها.

وفي هذا الإطار، يوضح سعيد شكري أن مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية أسهم في إعادة تحريك المياه الراكدة في هذا الملف خلال سنة 2026، عبر عقد اجتماع أولي في 4 مارس، تلاه لقاء علمي وتشاوري موسع يوم 7 ماي، شارك فيه أكثر من ستين خبيرا وباحثا وفاعلا وممثلا للمؤسسات المعنية.

وإذ تعكس هذه التعبئة، وفق رئيس المرصد، يقظة علمية ومدنية تجاه مستقبل المدينة، إلا أنه يعتبر أن مستوى انخراط بعض الجهات المؤسساتية الأساسية ما يزال دون سقف الانتظارات، لا سيما حين يتعلق الأمر بالانتقال من طاولات النقاش الدائري إلى التزامات ميدانية قابلة للتنفيذ.

 

ولمواجهة هذا البطء، يجدد شكري مطلبه القاضي بتحديد جهة محورية تتولى التنسيق بين مختلف المتدخلين، مع إعلان شفاف للمسؤوليات والموارد المعبأة والآجال الزمنية، بصيغة تتيح للعموم تتبعها وتقييمها. كما يلح على ضرورة بلورة تصور متكامل للممتلك المقترح، يحدد قيمته وطرق المحافظة عليه، مع إشراك حقيقي للخبرة العلمية والمجتمع المدني في هندسة البرامج.

ولا يشكل الطموح العالمي، في نظر شكري، مبررا لتعليق التدخلات المستعجلة أو تأجيلها في انتظار التصنيف. فالصيانة تظل واجبا قائما لا يرتبط بمدى التقدم المحرز في ملف الترشيح، بل يبدأ من التفعيل الفوري لإجراءات المراقبة اليومية واحترام المواقع ومحيطها المباشر.
وانطلاقا من هذه الرؤية، وجه المرصد نداء مفتوحا إلى المجالس المنتخبة، والإدارات الحكومية، والسلطات المحلية، يدعو فيه إلى الارتقاء بحماية تراث طنجة لتصبح أولوية فعلية في أجندة التدبير الحضري، عبر إرساء برنامج تدخل منسق ومحدد الآجال والموارد. دعوة امتدت لتشمل الملاك للتعاون مع الجهات المختصة لصيانة ممتلكاتهم التراثية، وكذا المواطنين للمساهمة في جهود الحفظ عبر احترام الفضاءات والإبلاغ الفوري عن الأضرار أو التدخلات المشبوهة.

غير أن تفعيل أدوار الرصد، والترافع، والتنبيه، واقتراح البدائل، يظل في نهاية المطاف عملا تكميليا للمجتمع المدني؛ ولا يعفي، بحسب شكري، أي جهة ذات اختصاص إداري أو قانوني من تحمل مسؤولياتها المباشرة.

 

ومع اتساع نطاق الحماية القانونية وتوالي برامج التأهيل واستمرار الترافع المدني، تُظهر المعطيات الميدانية إحراز تقدم ملموس في الاعتراف الرسمي بالرصيد التاريخي للمدينة وإعادة توظيف أجزاء منه. لكنها تسلط الضوء، في المقابل، على الحدود المفروضة على تدفق المعلومات حول الحاجيات الفعلية للمعالم الدقيقة وحصيلة التدخلات التي طالتها.

فبعد مرور أكثر من تسعين عاما على صدور قرار حماية المقبرة التاريخية بمرشان، تراكم بطنجة رصيد واسع من المواقع المقيدة والمصنفة وتجارب الترميم؛ غير أن التقييم الموضوعي لهذه المسيرة الطويلة يظل معلقا على قدرة المؤسسات المعنية على إخراج جرد دقيق ومُحَيَّن، يربط نص الحماية القانونية بالحالة المادية للمبنى، وبالموارد المالية المرصودة لصيانته المستدامة.

وهنا، يعود الباحث أحمد الطلحي ليؤكد أن المحافظة على هذا الإرث البشري، ورغم ما تتطلبه من وقت ومال وجهد، تمثل ضرورة لا تحتمل التأجيل، على اعتبار أن ما يضيع من العناصر الأصيلة يسقط من الذاكرة إلى الأبد. ويشدد على أن التراث المعماري مؤهل ليشكل محركا استراتيجيا للتنمية متى أُحسن استثماره، وهو ما يلخصه في مقاربته القائلة: “التراث المعماري نعيش فيه، وحان الوقت لنعيش منه أيضا”.

 

وبين فندق “سيسيل” الذي ينتظر أن تتضح ملامح مشروع إعادة بنائه، ومعالم استعادت حضورها في حياة المدينة بعد التأهيل، تتباين حصيلة أكثر من تسعين عاما من حماية التراث المعماري بطنجة. فقد اتسعت قوائم المعالم المحمية، وتوالت مشاريع الترميم، لكن أسئلة أخرى ما تزال قائمة بشأن الحالة الفعلية للمباني، ومدى المحافظة على أصالتها، والموارد المخصصة لصيانتها. ففي مدينة لا تزال آثار تاريخها حاضرة في شوارعها وساحاتها وبناياتها، لن يكون عدد الأسماء المدرجة في الجريدة الرسمية وحده مقياس نجاح الحماية، بل ما تحتفظ به تلك المعالم من قيمتها الأصلية، وما تستطيع المدينة أن تنقله منها إلى الأجيال المقبلة.

 

تندرج هذه المادة ضمن سلسلة “أرقام تروي طنجة”، وهي سلسلة ملفات صحفية معمقة ومدعومة بالبيانات، تضع المشهد الثقافي والذاكرة الحضرية بطنجة تحت المجهر، وتهدف إلى تفكيك واقع البنيات التراثية، ومساءلة مسارات التمويل العمومي، وتتبع التحولات التي طالت الفضاءات الثقافية والأنشطة التقليدية، وصولا إلى تقييم السياسات المحلية بلغة الأرقام.

شاركها. فيسبوك واتساب تويتر

المقالات ذات الصلة

1. باحثة بطنجة تضع تأثير المؤثرين على مبيعات الفنادق الفاخرة تحت المجهر

أمطار غزيرة وتساقط البرد.. إنذار برتقالي يشمل معظم أقاليم جهة طنجة

دراسة: العمل والشهادات لم يعودا كافيين لإقناع بعض الشباب بالبقاء في المغرب

تحقيق ينبش خفايا أزمة سبتة ويكشف اتهامات لإسبانيا بخداع المهاجرين وترحيلهم قسرا

بعد تعيينها وزيرة.. توضيحات حزبية تعيد قضية فاطمة السعدي إلى سياقها القضائي الأصلي

انفجار شبكة الصرف الصحي بالقصر الكبير.. التحقيقات تتواصل وسط غموض بشأن مصدر الغازات

آخر المقالات

1. باحثة بطنجة تضع تأثير المؤثرين على مبيعات الفنادق الفاخرة تحت المجهر

19 أكتوبر، 2026

أمطار غزيرة وتساقط البرد.. إنذار برتقالي يشمل معظم أقاليم جهة طنجة

19 أكتوبر، 2026

وزارة التجهيز تبرمج تثنية مقطع جديد من الطريق الوطنية رقم 2 بتطوان

19 أكتوبر، 2026

دراسة: العمل والشهادات لم يعودا كافيين لإقناع بعض الشباب بالبقاء في المغرب

19 أكتوبر، 2026

“درعٌ من ورق”.. كيف تتهاوى معالم طنجة التاريخية رغم “الحماية القانونية”؟

19 أكتوبر، 2026

تحقيق ينبش خفايا أزمة سبتة ويكشف اتهامات لإسبانيا بخداع المهاجرين وترحيلهم قسرا

19 أكتوبر، 2026

بعد تعيينها وزيرة.. توضيحات حزبية تعيد قضية فاطمة السعدي إلى سياقها القضائي الأصلي

19 أكتوبر، 2026

انفجار شبكة الصرف الصحي بالقصر الكبير.. التحقيقات تتواصل وسط غموض بشأن مصدر الغازات

18 أكتوبر، 2026

ما وراء فوضى الدراجات النارية بطنجة.. الشرطة تلاحق المخالفين فمن يردع الكراء العشوائي؟

18 أكتوبر، 2026
© 2026 جميع الحقوق محفوظة.
  • أخبار
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • تربية وتعليم
  • متابعات
  • ثقافة و فنون
  • الرياضة
  • بنوراما
  • ميديا

اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter

Journal Tanja24