أعادت دورة يناير 2026 لمجلس مقاطعة طنجة المدينة، النقاش العمومي حول “جدوائية” نموذج التدبير المفوض لقطاع النظافة إلى الواجهة، واضعة المنجز الميداني للشركات نائلة الصفقة في كفة، والكلفة المالية الباهظة التي تتحملها ميزانية الجماعة في الكفة الأخرى، وذلك على ضوء تقرير رسمي حديث زكى المؤاخذات التقنية القائمة، وأكد أن ملف النفايات لا يزال يراوح مكانه بين متطلبات دفتر التحملات وإكراهات التنزيل الميداني.
ولم يخرج تقرير لجنة شؤون التعمير والأشغال والمحافظة على البيئة، المستند إلى اجتماع تحضيري بتاريخ 11 دجنبر 2025، عن سياق التنبيه المستمر لأعطاب القطاع؛ إذ شكلت مضامينه توثيقا إداريا إضافيا لواقع مألوف لدى الساكنة والمدبرين على حد سواء، مكرسا بذلك قناعة راسخة بوجود “عطب بنيوي” في مفاصل الصفقة، يتجاوز حدود الملاحظات العابرة ليصل إلى عمق الالتزام التعاقدي.
وفي هذا السياق، بدا واضحا أن دورة يناير لم تكتف بإعادة عرض ملاحظات تقنية معزولة، بل فتحت، ولو ضمنيا، نقاشا أوسع حول منطق تدبير قطاع يستنزف موارد كبيرة دون أن يوازيها تحسن ملموس في الأداء. نقاش سرعان ما انتقل من مستوى التشخيص العام إلى مساءلة الأرقام، باعتبارها المدخل الحاسم لفهم حدود النموذج المعتمد ومفارقة الكلفة مقابل النتائج.
42 مليارا.. والتدبير “عشوائي”
وتكتسب هذه “الروتينية” في تشخيص الأعطاب خطورتها عند استحضار الثقل المالي للصفقة. فالمعطيات المؤسساتية القارة تفيد بأن جماعة طنجة ترصد غلافا سنويا يناهز 420 مليون درهم (42 مليار سنتيم) لتدبير قطاع النظافة، لتغطية تكاليف جمع ومعالجة 1200 طن يوميا.
ويضع هذا الرقم، الذي يرفع كلفة تدبير الطن الواحد إلى 619 درهما، المدينة أمام مفارقة التدبير: إنفاق بمواصفات “المدن الذكية”، وممارسة ميدانية لا تزال تتعثر في أبجديات “الانتظام”.
تدبير القطاع في الأحياء المكتظة لا يزال خاضعا لمنطق ‘التدخل البعدي’ وليس ‘التخطيط القبلي’، مما يفرغ العملية من محتواها التقني.”
وفي هذا الصدد، لم يأت التقرير بجديد بقدر ما قدم “دليلا ملموسا” على استمرار الاختلالات الكلاسيكية. فقد سجلت الوثيقة، بلغة تقنية مجردة، “عدم وجود برنامج دوري واضح لتفريغ الأزبال”.
وتؤشر هذه الملاحظة، التي تتكرر في تقارير التتبع، على أن تدبير القطاع في الأحياء المكتظة لا يزال خاضعا لمنطق “التدخل البعدي” وليس “التخطيط القبلي”، مما يفرغ العملية من محتواها التقني.
كما رصدت اللجنة استمرار “التأخر في صيانة الحاويات” وعدم انتظام تفريغها، وهو ما يعكس تقادما في الوسائل اللوجستية يؤثر مباشرة على جودة الفضاء العام.
وبذلك، تعيد الدورة إنتاج السؤال الجوهري حول جدوى الغرامات المالية (3 ملايين درهم سابقا) وصفقات الافتحاص، ما دامت عاجزة عن فرض “الانضباط التقني” المقابل للسخاء المالي.
المقاطعة: لسنا “السلطة المفوضة”
ومن زاوية الاختصاصات، شكلت الدورة مناسبة لإعادة ترسيم حدود المسؤولية المؤسساتية التي طالما شابها الغموض لدى الرأي العام. وهو السياق الذي استثمره حميد أبرشان، رئيس مجلس المقاطعة، ليخلي ذمة مؤسسته من “تعثرات الميدان”، مستندا في ذلك إلى تقرير اللجنة الذي جدد التذكير بالثوابت القانونية للملف.
وأبرزت الوثيقة أن المقاطعة “لا تملك حق الممارسة المباشر على تسيير قطاع النظافة”، وأن دورها ينحصر تنظيميا في “التتبع والمراقبة وفق المعايير المحددة”.
“عطب بنيوي في مفاصل الصفقة، يتجاوز حدود الملاحظات العابرة ليصل إلى عمق الالتزام التعاقدي.”
ويضع هذا التوضيح الإجرائي، المدعوم بموقف الرئاسة، لا يحمل طابع “التنصل”، بقدر ما هو “تكييف قانوني” كل طرف أمام مسؤولياته: المقاطعة كجهاز للرصد، وجماعة طنجة كـ”سلطة مفوضة” تمتلك وحدها مفاتيح القرار الزجري والمالي.
ولردم الهوة بين “الراصد” و”المقرر”، أوصى التقرير بتفعيل قنوات “التنسيق المستمر”، والدفع نحو إرساء “آلية لتقييم أداء الشركة بشكل دوري”، تعتمد مؤشرات قابلة للقياس مثل “سرعة الاستجابة للشكايات” و”كفاءة التدخلات الميدانية”.
وبالمحصلة، فإن دورة يناير لم تصنع الحدث، بل عكست صورة الواقع؛ واقع قطاع يستهلك الملايير، وتدبره نصوص قانونية معقدة، وتراقبه لجان تقنية ترصد نفس الأعطاب في كل مرة، في انتظار قرار سياسي حازم يعيد للتعاقد هيبته وللمال العام قيمته.







