بمجرد أن تلفظ البوابات الزجاجية لمحطة قطار “طنجة المدينة” أفواج الوافدين، لا يتوقف عداد الحركة عند رصيف سيارات الأجرة. هناك، حيث تتقاطع أتعاب السفر مع صخب الحقائب، تبدأ حبكة أخرى من صيف عاصمة البوغاز.
لا صرخات عالية ولا مزايدات صاخبة، بل اقتراب حذر بخطى خفيفة: “كرا.. كرا، ديور، بارطمات”. شاشات هواتف تشتعل بصور صالونات مفروشة، وأسئلة سريعة تلاحق العائلات المنهكة عن عدد أفراد الأسرة. لكن الكلمة التي تمسك بزمام المفاوضات وتكسر شوكة الأسعار هذا الصيف ليست السعر ولا الموقع، بل هي سؤال واحد ووحيد: “كم ستبقون؟”.
في عز لهيب يوليوز وغشت، تنقلب معادلة الكراء الصيفي رأسا على عقب. أصحاب الشقق في واجهات الجذب الكبرى بملاباطا والكورنيش لم يعد يعنيهم تفتيت أسابيع الذروة الذهبية على ليال معدودات. سبعة أيام كاملة، أو لا صفقة. هذا هو قانون السوق الجديد الذي يفرضه الملاك هربا من كابوس الفراغ بين زبون وآخر، وتفاديا لجحيم التنظيف المتكرر وتسليم المفاتيح بالجملة.
أما من يبحث عن إقامة قصيرة ليومين أو ثلاثة، فيجد نفسه في زاوية ضيقة، أمام خيارات شحيحة وأسعار صلبة لا تعرف التساهل.
على بعد أمتار من رصيف المحطة، تترجم الجغرافيا هذا الشره العقاري. هنا حيث تمتد الإقامات الحديثة، تعج منصات الإعلان الرقمية بعروض تتناسل بلا توقف.
وفي الوقت الذي تعرض فيه تطبيقات مثل “مبوب” مساكن تشترط حدا أدنى يتراوح بين خمس وسبع ليال كاملة، يبدو أن الواجهات الرقمية ليست سوى قمة جبل جليد يخفي تحته سوقا موازية جارفة تدور رحاها بعيدا عن الأعين.
وخلف الشاشات، في عتمة مجموعات “واتساب” وتطبيقات المراسلة، تدار صفقات الملايين بلمسة إصبع. مالك يعرض شقته، أو وسيط ينشر صورا لعقارات لا يملك منها حجرا واحدا.
صورة على التطبيق، مكالمة سريعة، تحويل مالي للتسبيق، ثم تسليم المفتاح. لقد تحول “السمسار” الكلاسيكي المنتظر عند باب القطار إلى نمط آخر؛ شاب يتباهى بهاتف ممتلئ بصور الشقق، أو صفحة على “فيسبوك”، أو شركة “كونسيرجيري” منظمة تحول المالك إلى مستثمر صامت يتلقى أرباحه بينما تتولى الشركات كل شيء، من التسعير إلى التنظيف والاستقبال.
وتأتي لغة الأرقام لتكشف عن حجم هذا المارد العقاري النائم خلف الكواليس. فبحسب أحدث بيانات منصة “إير دي إن إيه” (AirDNA) لشهر يوليوز، تقفز العروض النشطة للكراء قصير الأمد بعمالة طنجة-أصيلة إلى 10.310 عروض، مسجلة طفرة بنسبة 26,9 في المئة خلال عام واحد، بعد غربلة وتجميع منصات “إير بي إن بي” و”بوكينغ” و”فربو”.
والأكثر إثارة أن 92,4 في المئة من هذا المعروض عبارة عن مساكن كاملة، تتربع الشقق ذات غرفتي نوم على عرش نصفها، لتلبي طلبا محموما للأسر الكبيرة والجالية التي تبحث عن مطبخ ومرآب وسقف يجمع العائلة لأسبوع كامل.
وحول هذا المخزون الضخم، انتعشت شبكة واسعة من المهن والخدمات؛ بدءا بعمال النظافة وفرق الصيانة السريعة، وصولا إلى جيش من الوسطاء غير المرئيين.
وفيما تشير دفاتر المندوبية السامية للتخطيط، في إحصاء المؤسسات الاقتصادية 2023-2024، إلى وجود 590 مشتغلا رسميا في الأنشطة العقارية بالعمالة، يظل الواقع أوسع بكثير من أي جدول إحصائي.
هنا يتحول حارس الإقامة، وصاحب المقهى، وسائق سيارة الأجرة، والشاب الموسمي إلى سماسرة يعيدون تدوير عرض الشقة الواحدة عبر شبكة معقدة من الوسطاء والمنصات، لينتهي المطاف بالمكتري عاجزا عن معرفة المالك الحقيقي، ولا يرى سوى وجه الشخص الذي مد إليه المفتاح.
ومع استمرار الطلب، تحلق الأسعار في سماء الساحل. ففي ملاباطا والكورنيش، تستقر كلفة الليلة الواحدة في الشقق المطلة على البحر بين 900 و1.200 درهم، صعودا نحو سقف الفيلات والعقارات الفاخرة، بينما تبدأ خيارات أخرى من بضع مئات من الدراهم. غير أن هذه الأرقام تظل مرنة متى توفر شرط الأسبوع المضمون الذي يلين قلب المالك، في حين تقفل أيام الذروة الأبواب أمام كل مساومة عابرة.
وما إن يطلق قطار جديد صافرته معلنا وصول وجبة بشرية جديدة إلى محطة “طنجة المدينة”، حتى تعود الهواتف للاشتعال، وتتكرر الدورة بلا توقف، مؤكدة أن الشقة المفروشة في طنجة لم تعد مجرد دخل عابر، بل اقتصاد صيفي جارف يقتسم غلته أحياء وشركات وأشباح وسطاء لا يصل إليهم إحصاء.







