قبل أن يصل الزائر إلى رمال شاطئ برييش، تضعه الطريق الضيقة المؤدية إليه أمام أولى علامات هشاشة هذا الفضاء الساحلي الخلاب بضواحي أصيلة.
تتقدم السيارات ببطء عبر ممر لا يسمح دائما بعبور سلس في الاتجاهين، بينما تسير أسر تحمل المظلات والأكياس بمحاذاة المركبات، من دون رصيف يفصل الراجلين عن حركة المرور. وعند ساعات الذروة، يكفي توقف سيارة أو محاولة أخرى الخروج من موقف ترابي حتى يمتد طابور قصير نحو الخلف.
تنتهي الطريق فجأة عند مشهد مغاير تماما. ينفتح المحيط الأطلسي على شريط رملي واسع، وتتوزع المظلات الملونة على مسافات متباعدة، فيما تحجب الكثبان والمنحدرات المنخفضة أجزاء من العمران القريب.
يحافظ برييش على ملامح طبيعية فقدتها شواطئ أخرى تحت ضغط البناء، لكنه يستقبل موسمه الصيفي ببنيات لا تواكب حجم الإقبال عليه. فالطريق الضيقة، ومواقف السيارات غير المنظمة، وقلة المرافق الصحية ونقاط جمع النفايات، تجعل رحلة الاصطياف تبدأ وتنتهي داخل مشهد من الارتباك.
“نأتي مبكرا حتى لا نبقى عالقين في الطريق”، تقول أمينة، وهي مصطافة قدمت من طنجة رفقة أبنائها. “الشاطئ جميل وواسع، لكن الدخول إليه والخروج منه يصبحان مرهقين عندما تمتلئ الجوانب بالسيارات”.
تضع الأسرة حاجاتها قرب مظلة استأجرتها من أحد شباب المنطقة. وعلى مسافة قريبة، يدفع شاب عربة محملة بالكراسي والطاولات البلاستيكية، بينما يعرض آخر قنينات الماء البارد ووجبات خفيفة داخل صناديق محكمة الإغلاق.
يمنح الموسم الصيفي عددا من أبناء المنطقة فرصة محدودة للعمل، تمتد غالبا خلال شهري يوليوز وغشت، وترتبط بدرجات الحرارة وحالة البحر وأعداد الوافدين.
يقول أيوب، وهو شاب يعمل في كراء لوازم الاصطياف، : “نبدأ منذ الصباح، ننقل المظلات والكراسي إلى الرمل وننتظر الزبائن. هناك أيام نشتغل فيها باستمرار، وأيام لا يغطي المدخول حتى تكلفة النقل”.
لا يعتبر الشاب تنظيم النشاط تهديدا لمصدر رزقه. على العكس، يرى أن تحديد أماكن واضحة للكراء واعتماد أسعار معلنة من شأنهما تقليل الخلافات وتحسين صورة الشاطئ.
ويضيف: “المصطاف يحتاج إلى المظلة والكرسي، ونحن نحتاج إلى مكان نشتغل فيه من دون أن نسد الممرات أو ندخل في نزاع حول المساحة”.
ويتشكل هذا الاقتصاد الموسمي على هامش الشاطئ من دون أن يستند إلى مرافق ثابتة أو توزيع واضح للأنشطة. وتصبح النظافة أكثر صعوبة مع تزايد العبوات والأكياس وبقايا الطعام، خصوصا في نهاية الأسبوع.
عند منتصف النهار، يرتفع صوت الأمواج ويتقدم بعض الشباب إلى مسافات أبعد. يقف معلمو السباحة في نقاط المراقبة، يتابعون حركة المصطافين ويطلقون تحذيرات متكررة كلما تجاوز سباح المجال الآمن أو اقترب من مقطع أكثر اضطرابا.
وجود الحراسة لا يمنع السلوكيات الخطرة. فبعض المصطافين يتجاهلون تعليمات معلمي السباحة، أو يبالغون في تقدير قدرتهم على مقاومة الأمواج والتيارات، أو يتركون الأطفال قريبين من الماء من دون مراقبة مباشرة.
“المنقذ موجود، لكنه لا يستطيع مراقبة شخص يصر على الابتعاد ولا يستجيب للتحذير”، يقول محمد، وهو مصطاف في الخمسينات، في تصريح نموذجي. “البحر هنا مفتوح، وقد يتغير في دقائق”.
ويراقب الشاطئ عدد من معلمي السباحة خلال موسم الاصطياف، ضمن الترتيبات المعتمدة لحراسة الشواطئ التابعة لعمالة طنجة-أصيلة. وتظهر أهمية هذا الحضور في حجم تدخلات الإنقاذ المسجلة على امتداد الساحل المحلي، وإن كانت الأرقام المتاحة لا تخص برييش وحده.
وأحصت الوقاية المدنية بعمالة طنجة-أصيلة خلال موسم الاصطياف لسنة 2025 ما مجموعه 2741 تدخلا للإنقاذ على مستوى شواطئ العمالة، في مؤشر على الضغط الذي تواجهه فرق الحراسة خلال فترات الإقبال الكبير.
لا تعني هذه الحصيلة أن جميع الحالات تحولت إلى حوادث غرق، بل تشمل تدخلات لإنقاذ أشخاص وجدوا أنفسهم في وضع خطر أو عجزوا عن العودة إلى اليابسة. كما لا تسمح المعطيات المتاحة بعزل حصيلة خاصة بشاطئ برييش عن باقي الشواطئ.
يقول أحد الشباب العاملين في كراء المظلات، في تصريح نموذجي: “نسمع الصفارات طوال اليوم. بعض الناس يعودون فور سماعها، وآخرون يواصلون السباحة كأن التحذير لا يعنيهم”.
يضيف وهو يشير إلى مجموعة من الشبان: “حين يشتد الموج، يبدأ الخطر بسرعة. معلمو السباحة يتدخلون، لكن الأفضل ألا يضع الإنسان نفسه أصلا في تلك الوضعية”.
بعيدا عن الماء، تواصل الطريق الضيقة فرض حضورها على يوم المصطافين. فالسيارات المتوقفة على الجانبين تضيق مجال العبور، فيما تعبر الأسر المسار نفسه ذهابا وإيابا، محملة بالأطفال والأمتعة.
ولا تبدو معالجة وضع برييش مرتبطة بإنشاء واجهة إسمنتية أو تغيير طابعه الطبيعي، بل بتجهيزات محددة: تنظيم حركة السير، توفير ممر آمن للراجلين، ضبط الوقوف، تقوية المرافق الصحية ونقاط النفايات، وتنظيم الخدمات الموسمية التي صارت جزءا من حياة الشاطئ.
مع اقتراب المساء، يجمع أصحاب المظلات معداتهم، ويعد الباعة ما تبقى من سلعهم، بينما تتحرك الأسر في اتجاه السيارات. تعود الاختناقات عند المدخل نفسه، وتتوقف المركبات كلما تقابل صفان داخل الممر الضيق.
يبقى البحر خلف المغادرين واسعا وهادئا في ضوء الغروب، فيما تلخص الطريق رحلة اليوم كله: شاطئ يمتلك من الجمال ما يجذب إليه أعدادا متزايدة، لكنه ما يزال يستقبل زواره من مدخل أضيق من حاجاتهم.







