تحولت مناطق صناعية في محافظة مالقة بجنوب إسبانيا إلى مواقع استراتيجية تستخدمها شبكات المخدرات لتخزين الحشيش وتجهيزه قبل نقله إلى مناطق أخرى في البلاد ومنها إلى أسواق أوروبية، وفق حكم قضائي سلط الضوء على انتقال جزء من النشاط اللوجستي للمهربين بعيدا عن سواحل كوستا ديل سول.
وأشارت المحكمة الوطنية الإسبانية إلى أن محققي الحرس المدني باتوا يعتبرون المناطق الصناعية في مالقة “نقاطا ساخنة” للاتجار بالمخدرات، بعدما كشفت التحقيقات استخدام مستودع في أنتيكيرا لإخفاء نحو 666 كيلوغراما من الحشيش وتجهيزها للنقل إلى غاليسيا، بحسب صحيفة “مالقة أوي” الاثنين.
وأدانت الدائرة الثالثة للغرفة الجنائية في المحكمة خمسة أعضاء في شبكة للاتجار الدولي بالمخدرات، تضم أفرادا متمركزين خصوصا في مالقة وبونتيفيدرا وإشبيلية، استخدمت مستودعا صناعيا مركزا لتخزين الشحنات وإعادة توزيعها.
وبحسب الوقائع التي أثبتها الحكم، بدأت الشبكة نشاطها في أبريل 2020، عندما اتفق اثنان من أفرادها على الاتجار بكميات كبيرة من الحشيش، واختارا مستودعا في المنطقة الصناعية بأنتيكيرا لإخفاء المخدرات وإعدادها وتحميلها.
وتقع أنتيكيرا في الداخل الأندلسي، على مسافة من الشريط الساحلي الذي تتركز فيه عمليات مكافحة تهريب المخدرات في جنوب إسبانيا، وتتمتع بموقع على محاور طرق رئيسية تربط مالقة ببقية مناطق البلاد.
وفي إحدى العمليات التي أعادت المحكمة تركيب تفاصيلها، وصلت سيارة “مرسيدس فيتو” تحمل أكثر من 665 كيلوغراما من الحشيش إلى أرض خالية قرب محطة وقود في أنتيكيرا، حيث تسلمها أفراد من الشبكة قبل نقلها إلى المنطقة الصناعية.
وبعد إدخال المخدرات إلى المستودع، وصلت شاحنة مقطورة إلى المكان، واستخدم أفراد الشبكة رافعة شوكية لتحميل الرزم التي كانت مغلفة بتفريغ الهواء وإخفائها بين منصات تحمل عبوات زيت، وفق الحكم.
وكان يفترض أن تتجه الشحنة إلى غاليسيا في شمال غرب إسبانيا، ومنها إلى وجهات أوروبية أخرى.
لكن الحرس المدني أوقف الشاحنة في الليلة نفسها خلال عملية مراقبة في بيلميث بمحافظة قرطبة، وعثر داخل نصف المقطورة على 665,8 كيلوغراما من الحشيش، قدرت قيمتها في السوق بنحو ثلاثة ملايين يورو.
ولم يكن المستودع مجهولا لدى المحققين، إذ سجلت الشرطة تحركات مشبوهة حوله قبل أشهر من ضبط الشحنة، فيما كان الحرس المدني يراقب الموقع ضمن اهتمامه المتزايد بالمناطق الصناعية في المحافظة.
وتبرز القضية تحولا في الحلقة التي تلي وصول الحشيش إلى جنوب إسبانيا، الوجهة الأوروبية الأقرب إلى السواحل المغربية، إذ تسمح المستودعات الصناعية بإبعاد الشحنات عن مناطق الإنزال وإدخالها وسط حركة تجارية كثيفة قبل نقلها برا إلى شمال البلاد.
وتشكل إسبانيا إحدى البوابات الرئيسية للحشيش المتجه إلى السوق الأوروبية، فيما يشكل مضيق جبل طارق وبحر البوران مجالا رئيسيا لعمليات مكافحة التهريب بين المغرب والضفة الإسبانية.
غير أن قضية أنتيكيرا تظهر أن الضغط الأمني لا يتوقف عند مراقبة البحر والساحل. فبعد اجتياز مرحلة العبور، تحتاج الشبكات إلى أماكن لتجميع الشحنات وإعادة توضيبها وربطها بشبكات النقل البري نحو أوروبا.
وتوفر المناطق الصناعية لهذا النشاط بيئة مختلفة عن مخابئ المخدرات التقليدية، إذ تختلط حركة أفراد الشبكات بحركة الشاحنات والرافعات والمستودعات والبضائع، ما يتيح تمويه الشحنات غير المشروعة داخل عمليات نقل تجارية عادية.
وتقول “مالقة أوي” إن هذه المواقع باتت تحظى باهتمام متزايد من أجهزة مكافحة المخدرات بسبب استخدامها “كمواقع استراتيجية” لتخزين المخدرات وتجهيزها وإعادة توزيعها بعيدا عن الضغط الأمني على كوستا ديل سول.
وبذلك ترسم القضية مسارا لا ينتهي عند وصول الحشيش إلى الشاطئ الإسباني، بل ينتقل من البحر إلى المستودعات ثم إلى الطرق السريعة، حيث يمكن إخفاء مئات الكيلوغرامات وسط شحنة زيت عادية قبل مواصلة الرحلة نحو شمال إسبانيا وبقية أوروبا.







