أثار تأكيد الملك محمد السادس أن الشراكة مع إسبانيا اختيار سيادي لا يخضع للضغط أو التهديد أو الابتزاز اهتماما واسعا في وسائل الإعلام الإسبانية، التي وضعت هذا الموقف في صدارة تغطياتها للخطاب الملكي أمام البرلمان، الجمعة، بالتزامن مع استعدادات مدريد لزيارة مرتقبة للملك فيليبي السادس إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين.
واستأثرت المواقف المغربية بشأن مستقبل التعاون في مجال الهجرة، وضرورة تجاوز العراقيل القانونية التي تعترض إعادة القاصرين، وإعلان الرباط اعتزامها تقديم رؤية استراتيجية جديدة لشركائها، باهتمام الصحف والقنوات الإسبانية، التي اختلفت في قراءتها للخطاب بين التركيز على رفض الضغوط السياسية ومستقبل الشراكة الثنائية.
وأبرزت صحيفة “إلباييس” أن الملك محمد السادس اختار التأكيد على استقلالية القرار المغربي في تدبير العلاقات مع إسبانيا، في أول خطاب يتناول فيه بصورة علنية التعاون بين البلدين منذ أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز الماضي.
وتوقفت الصحيفة، في تقرير لمراسلها بالرباط خوان كارلوس سانز، عند تشديد الملك على رفض أي محاولة لإخضاع الشراكة الثنائية للضغط أو التهديد أو الابتزاز، مع الإقرار بالتقدم الذي حققه التعاون المغربي الإسباني في مجالات متعددة، وفي مقدمتها مكافحة الهجرة غير النظامية.
واعتبرت “إلباييس” أن هذه المواقف تكتسب دلالة خاصة بالنظر إلى توقيتها، قبل أيام من الزيارة المرتقبة للملك الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر الجاري، رغم أن الخطاب الملكي لم يتضمن أي إشارة مباشرة إلى هذه الزيارة.
ولم يقتصر الاهتمام الإسباني على الموقف السياسي، إذ حظي تشخيص الملك للصعوبات التي تواجه التعاون في مجال الهجرة بحيز مهم من التغطيات، خصوصا بعدما أكد أن النموذج الحالي للتعاون أصبح متجاوزا، وأن الأزمات المتكررة أظهرت الحاجة إلى مراجعته.
وفي هذا السياق، أبرز التلفزيون العمومي الإسباني “RTVE” انتقاد الملك محمد السادس للاستغلال السياسي والإعلامي لقضية الهجرة من جانب بعض الأوساط الإسبانية، مشيرا إلى تمسك المغرب بشراكة تقوم على احترام الالتزامات المتبادلة، بعيدا عن الضغوط التي صاحبت الجدل بشأن أحداث سبتة.
وربطت الهيئة الإسبانية هذه التصريحات بالمواقف التي أعقبت أزمة 30 و31 يوليوز، عندما شهدت الحدود مع سبتة تدفقات كبيرة للمهاجرين، قبل أن تتحول القضية إلى موضوع سجال داخل إسبانيا بشأن تدبير الحدود والتعاون الأمني مع المملكة.
أما صحيفة “لافانغوارديا”، فقد أبرزت انتقاد الملك للتصريحات غير المسؤولة الصادرة عن بعض الأوساط السياسية والإعلامية، إلى جانب تأكيده أن التعاون مع إسبانيا حقق تقدما مهما، لكنه بات يواجه تحديات مرتبطة بمقتضيات قانونية متجاوزة وقرارات قضائية بعيدة عن الواقع.
وشكلت هذه العراقيل أحد أبرز المحاور التي استوقفت صحيفة “لاراثون”، التي اهتمت بالموقف المغربي بشأن إعادة الأطفال القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، بعد أن ربط الملك استمرار الصعوبات القانونية والقضائية بتعطيل عمليات الإعادة وتغذية نشاط الشبكات الإجرامية.
وأبرزت الصحيفة أن المغرب يطالب بتجاوز هذه الاختلالات ضمن مراجعة أوسع لآليات التعاون، في وقت يثير فيه ملف القاصرين المغاربة الموجودين في سبتة خلافات قانونية وسياسية داخل إسبانيا.
ومن جهتها، تناولت صحيفة “إل إسبانيول” إعلان تجاوز النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة، واعتبرت أن الموقف الملكي يعبر عن توجه مغربي نحو إعادة النظر في الآليات المعتمدة مع إسبانيا، بعدما أظهرت الأزمات المتكررة محدوديتها في معالجة التدفقات غير النظامية وإجراءات إعادة المهاجرين.
واهتمت الصحيفة أيضا بتأكيد الملك محمد السادس أن الشراكة قرار سيادي، معتبرة أن الرباط ربطت استمرار التعاون بضرورة تجاوز المقتضيات القانونية والقرارات القضائية التي تعرقل تنفيذ التزامات الطرفين.
وفي الاتجاه نفسه، وضعت صحيفة “إل إندبنديينتي” رفض المغرب الخضوع للضغوط في صدارة تغطيتها، مع إبراز تأكيد الملك أن التعاون مع إسبانيا التزام إرادي لا يقبل التهديد أو الابتزاز.
واستحضرت الصحيفة الزيارة المرتقبة للعاهل الإسباني إلى سبتة ومليلية في سياق قراءتها للخطاب، مشيرة إلى أن الملك محمد السادس لم يتطرق إليها مباشرة، رغم تزامنها مع استمرار تداعيات أزمة الهجرة الأخيرة.
وفي مقابل التركيز على الرسائل السياسية والعراقيل القانونية، أولت إذاعة “كادينا سير” اهتماما خاصا لإعلان المغرب اعتزامه تقديم وثيقة استراتيجية جديدة إلى شركائه، تستهدف إرساء توجه مختلف في التعاون، يقوم على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
وأبرزت الإذاعة أن الملك محمد السادس جمع في خطابه بين الاعتراف بما حققته العلاقات المغربية الإسبانية من تقدم، والتأكيد على أن الصعوبات الراهنة تفرض الانتقال إلى مقاربة جديدة تتجاوز حدود التدبير الأمني للهجرة.
ويأتي هذا التوجه بعدما أكد الملك أن المغرب رسخ مكانته الدولية باعتباره شريكا مسؤولا وموثوقا يحرص على الوفاء بالتزاماته، وينتظر من شركائه التعامل بالمثل، مستندا إلى النتائج التي حققتها المملكة في تدبير ظاهرة الهجرة رغم التحديات المتزايدة.
وعكست التغطيات الإسبانية اهتماما متقاربا بموقف المغرب الرافض للضغوط، وإن اختلفت في تقديمه، حيث ركزت بعض الصحف على توقيته السياسي، بينما أعطت أخرى الأولوية لملف القاصرين والعراقيل القانونية، أو للإعلان عن تصور جديد للشراكة.
وبرز ضمن هذه المعالجات ربط متكرر بين الخطاب الملكي والزيارة المرتقبة لفيليبي السادس إلى سبتة ومليلية، وهو ربط جاء في سياق القراءة الإعلامية الإسبانية للتطورات، دون أن يتضمن الخطاب الملكي أي موقف مباشر من الزيارة.
وتأتي هذه التغطيات في وقت يتواصل فيه التعاون المغربي الإسباني في مجالات أمنية واقتصادية متعددة، رغم الخلافات التي أثارتها أزمة الهجرة الأخيرة، وما رافقها من مطالب سياسية داخل إسبانيا بشأن مسؤوليات مراقبة الحدود وإعادة المهاجرين.
وبينما ركزت وسائل الإعلام الإسبانية على دلالات الموقف الملكي بالنسبة إلى مدريد، حمل الخطاب إعلانا مغربيا عن مرحلة جديدة في تدبير التعاون مع الشركاء، تقوم على مراجعة النموذج القائم وتقديم مقترحات عملية تربط معالجة الهجرة بالتنمية والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
ولم يكشف المغرب بعد عن تفاصيل الوثيقة الاستراتيجية التي أعلن الملك اعتزام تقديمها، فيما ينتظر أن تحدد مضامينها طبيعة المقترحات المغربية لتطوير الشراكة مع إسبانيا وبقية الشركاء المعنيين.







