تحت سماء طنجة المفتوحة على واجهتين بحريتين، لم تكن رياح الخريف في شتنبر الماضي تحمل تبدلاً في المناخ فحسب، بل كانت تنذر بتحولات عميقة في البنية السياسية لمدينة لطالما شكلت رقماً صعباً في المعادلة الانتخابية المغربية.
فبين ليلة وضحاها، وجدت عاصمة الشمال نفسها أمام مسارين متوازيين ومتقاطعين في آن: الأول سطرته نتائج الانتخابات التشريعية الجزئية في 23 شتنبر، والتي أعادت ترتيب الأوزان الحزبية في دائرة “طنجة-أصيلة”، والثاني خطته السلطة القضائية حين أمرت بإيداع رئيس المجلس الجماعي، منير ليموري، رهن الاعتقال الاحتياطي على ذمة تحقيق في ما بات يُعرف بـ”قضية أوراق التصويت”.
وأمام هذه التطورات المتسارعة، تجد النخب السياسية والمحلية نفسها أمام مفارقة تدبيرية دقيقة. ففي حين أفرزت الصناديق خريطة قوى جديدة تتصدرها العودة اللافتة لحزب “العدالة والتنمية”، واصل المجلس الجماعي للمدينة دورانه المؤسساتي وعقد دورة أكتوبر وصادق على مقرراته المالية وكأن الهزة التي ضربت قمة هرمه لم تلامس بعد قواعد تحالفه.
وبين هاتين الصورتين، يُطرح سؤال ملح حول مستقبل النفوذ السياسي في مدينة كبرى تستعد، على نار هادئة، لاستحقاقاتها الجماعية المقبلة.
أرقام تعيد هندسة المشهد
بلغة الأرقام التي لا تقبل التأويل، حمل اقتراع 23 شتنبر رسائل سياسية بالغة الدلالة. فقد عاد حزب “العدالة والتنمية” ليعانق التمثيل البرلماني عن الدائرة، منتزعا الصدارة بـ 25,886 صوتا حصدها مرشحه محمد بوزيدان اليدري.
في المقابل، تراجع حزب “الأصالة والمعاصرة”، الذي يقود التحالف المسير للمدينة، إلى المرتبة الثانية عبر مرشحه عبد اللطيف الغلبزوري الذي نال 13,687 صوتا، بفارق يتجاوز 12 ألف صوت، وهو رقم يؤشر على تبدل واضح في المزاج الانتخابي، وإن كان الحزب قد سارع إلى تأكيد موقعه كوصيف بنسبة 16.65 في المئة.
وإلى جانب هذا الثنائي، توزعت المقاعد الثلاثة المتبقية لترسم مشهدا فسيفسائيا، حيث ظفر محمد الزموري بمقعد الحركة الشعبية، واحتفظ محمد الحمامي بمقعد حزب الاستقلال، وعبد الواحد بولعيش بمقعد التجمع الوطني للأحرار.
غير أن القراءة المتأنية والمقارنة مع استحقاقات 2021، تكشف عن ديناميات أعمق من مجرد الفوز والخسارة.
فصعود الحركة الشعبية، على سبيل المثال، ارتبط بمرشح (الزموري) كان يمثل الدائرة ذاتها قبل سنوات بألوان الاتحاد الدستوري، مما يؤكد أن “الوزن الشخصي” والوجاهة الانتخابية للمرشح في هذه الرقعة الجغرافية قد يرجحان كفة الميزان بغض النظر عن اليافطة الحزبية.
وفي المقابل، غادر حزب “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” حلبة الفائزين مكتفياً بـ 3,249 صوتاً، في تراجع يطرح تساؤلات حول القدرة التعبوية لليسار في المدينة.
ومع ذلك، تبقى هذه الأرقام، على أهميتها، قراءة إجمالية لدائرة تتسع لتشمل طنجة وأصيلة وجماعات قروية أخرى.
أما محددات التنافس الحقيقي، فتستوجب لاحقا تفكيك هذه الكتلة الناخبة وتوزيعها على مقاطعات طنجة الكبرى (بني مكادة، مغوغة، السواني، وطنجة المدينة)، لكونها المقياس الفعلي لأوزان الأحزاب قبيل المعارك الجماعية.
القضاء والسياسة.. خيط رفيع
ولم تقتصر تداعيات المشهد على فرز الأصوات، بل اتخذت منحى أكثر تعقيداً مع دخول المؤسسة القضائية على خط الأحداث. ففي الأول من أكتوبر، أصدر قاضي التحقيق قراراً بإيداع عمدة المدينة، منير ليموري، رهن الاعتقال الاحتياطي.
وجاء القرار بناء على بلاغ للوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بطنجة، الذي استند إلى أبحاث أولية حول شبهة وضع علامات على رمز حزب سياسي داخل أوراق تصويت وُجدت في شقة فندقية، مع الاستعانة بتسجيلات كاميرات المراقبة وخبرات تقنية قادت إلى الاشتباه في شخصين إضافيين بتهم تمس بسلامة العملية الانتخابية.
هذا التطور لم يكن مجرد حدث قضائي معزول، بل مسّ العصب التنظيمي لحزب “الأصالة والمعاصرة”. فالرجل الموقوف يجمع بين رئاسة مجلس العاصمة الاقتصادية الثانية للمملكة، ومسؤولية الحزب إقليميا، فضلا عن إدارته للحملة الانتخابية في الدائرة.
وسعيا لتطويق الارتدادات، تدخلت اللجنة الوطنية للتحكيم والأخلاقيات بالحزب في اليوم الموالي، 2 أكتوبر، لتقرر تجميد عضوية ليموري في جميع هياكل التنظيم، في خطوة احترازية تفصل بدقة بين الانضباط التنظيمي الداخلي، وبين المسار القضائي الذي يحتفظ بقرينة البراءة حتى صدور حكم نهائي.
وفي سياق متصل، يبقى مصير النتائج البرلمانية بمنأى عن هذا المسار الجنائي، إذ ينعقد الاختصاص الحصري في الطعون الانتخابية للمحكمة الدستورية، التي تملك وحدها، بناءً على الحجج والطعون المقدمة، سلطة إقرار صحة الانتخاب أو إبطاله أو تعديل نتائجه.
مؤسسة تعمل وائتلاف يترقب
وفي قصر البلدية، تبدو الصورة مغايرة تماما للصخب الذي يحيط بها. بالعودة إلى هندسة تشكيل مجلس جماعة طنجة لعام 2021، نجد أن الخريطة كانت شديدة التجزئة (81 عضوا)، التجمع الوطني للأحرار بـ 14 مقعداً، الاتحاد الدستوري بـ 13، يليهما الأصالة والمعاصرة والاستقلال بـ 12 مقعداً لكل منهما. ورغم هذا التقارب، آلت الرئاسة إلى “الأصالة والمعاصرة” بفضل توافق سياسي رباعي.
ويفسر هذا المعطى البنيوي إلى حد كبير كيف تمكن المجلس من تجاوز صدمة اعتقال رئيسه في دورتها الأولى. فخلال دورة أكتوبر، جلس النائب الأول، محمد غيلان الغزواني، على كرسي الرئاسة لتصريف الأعمال، وتمت المصادقة على مشروع ميزانية 2027 في أجواء غاب عنها النقاش السياسي حول الوضعية القانونية للعمدة.
وهذا “المرور السلس” يبرهن على استمرارية المرفق العام وحرص مكونات التحالف على تأمين التدبير الإداري، غير أن ترؤس جلسة بقوة القانون لا يعني بالضرورة وجود توافق سياسي مسبق حول من سيخلف الرئيس إذا ما طرأ مستجد قانوني ينهي مهامه رسمياً. فالأغلبية الحالية تستمد بقاءها من التزامات الأحزاب الأربعة المركزية أكثر من ارتباطها بشخص الرئيس المنتهية ولايته.
طموحات سابقة لأوانها
وما يزيد المشهد تعقيداً هو أن طموحات التموقع داخل الخريطة المحلية لم تكن وليدة اللحظة القضائية الراهنة. فقبل نحو أسبوعين من قرار الاعتقال، وتحديداً في 17 شتنبر، اختار محمد الحمامي، وهو يقود الحملة الانتخابية لحزب الاستقلال، أن يبعث برسائل سياسية ثقيلة من داخل قاعة “بوكماخ”.
فقد أعلن صراحة، وفي خضم السباق البرلماني، طموح حزبه في تولي رئاسة جماعة طنجة وكذا جماعة اكزناية المجاورة، رابطاً خطابه بملفات التدبير اليومي كالإنارة والنظافة.
وصدور هذا الموقف من حزب يعد شريكاً رئيسياً في الأغلبية المسيرة، وقبل أن تتفجر أزمة الرئاسة، يؤكد أن التنافس على قيادة المدينة كان يعتمل في الكواليس وظهر إلى العلن مبكراً. ومن هذه الزاوية، جاءت التطورات القضائية لتضيف متغيراً حاسماً في معادلة كانت قد بدأت بالفعل في التشكل.
مآلات مفتوحة
اليوم، تقف طنجة على أعتاب مرحلة إعادة صياغة توازناتها. فحزب “العدالة والتنمية” يراقب المشهد متسلحاً برصيد الصدارة الانتخابية الذي يعيد فرضه كرقم صعب، بينما يراقب “التجمع الوطني للأحرار” و”الاستقلال” التطورات من موقع مريح يجمع بين الحضور البرلماني والتأثير الفاعل داخل دواليب الجماعة.
أما “الأصالة والمعاصرة”، فيجد نفسه في اختبار مزدوج: الحفاظ على مكاسبه التمثيلية، وإعادة ترتيب بيته الداخلي وتطمين شركائه في غياب مسؤوله الإقليمي الذي كان يدير دفة التوازنات المحلية.
وبين وجوه تتقدم بفعل صناديق الاقتراع، وأخرى تحتفظ بمواقعها بناءً على رصيدها الشخصي، وثالثة تتصدر المشهد التدبيري بقوة القانون والمؤسسات، يبقى مستقبل الخريطة السياسية لطنجة معلقاً على ثلاثة مسارات متداخلة لا يملك أحد اليوم الإجابة القطعية عليها: الكلمة الفصل التي سيقولها القضاء، وقدرة مكونات الأغلبية الجماعية على الصمود أو إعادة إنتاج تحالفاتها، واستراتيجية الأحزاب في استثمار هذه الظرفية الدقيقة لتعزيز مواقعها قبل الموعد الجماعي القادم. وكل حديث عن حسم للمواقف أو إعلان لنهاية نفوذ أسماء بعينها، يبدو قفزاً فوق واقع لا يزال يتشكل بتؤدة على ضفاف المضيق.







