داخل أحد فروع الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات بمدينة طنجة، يصطفّ شبان وشابات بأوراق تحت الأذرع وعيون مسلطة على شاشة الهاتف المحمول حيث تُعرض آخر فرص الشغل. في الداخل،
مستشارو التوجيه يتعاملون باحتراف مع طوابير من الأمل والتعب. في هذه المدينة التي تحولت إلى قطب اقتصادي وطني، لا زال كثير من أبنائها يشعرون بأن سوق الشغل لا يفتح أبوابه للجميع على قدم المساواة.
طنجة اليوم ليست فقط مدينة ساحلية ذات طابع سياحي، بل منصة صناعية عالمية، ووجهة مفضلة للاستثمار الأجنبي، وبوابة المملكة على إفريقيا وأوروبا في آن.
..في كل مرة تُنشر فيها إعلانات عن فرص شغل داخل وحدات صناعية بطنجة، موجهة حصريا لفائدة شباب من أقاليم بعيدة، يعود النقاش في صفوف شباب المدينة الذين لم يسعفهم الحظ بعد في ولوج الشغل، رغم محاولاتهم المتكررة.
وعلى مدى عقدين، تحولت المدينة إلى قطب اقتصادي تحتضن مناطق صناعية متقدمة، منها منصات لصناعة السيارات والطيران والكابلاج والنسيج واللوجستيك، وآلاف مناصب الشغل التي رافقت هذا التحول العميق.
غير أن الاستفادة من هذه الدينامية لم تكن دائما محل إجماع محلي. ففي كل مرة تُنشر فيها إعلانات عن فرص شغل داخل وحدات صناعية بطنجة، موجهة حصريا لفائدة شباب من أقاليم بعيدة، يعود النقاش في صفوف شباب المدينة الذين لم يسعفهم الحظ بعد في ولوج الشغل، رغم محاولاتهم المتكررة.
وتؤكد هذه الإعلانات، التي تنشرها مؤسسات رسمية، وجود عروض موجهة تحديدا لفائدة أبناء إقليم معين، تتعلق غالبا بشركات في قطاع الكابلاج أو النسيج، وتشترط في المترشحين الانتماء الجغرافي، مع توجيههم للتقدم لدى فروع أنابيك في مناطقهم.
وفي الوقت الذي تُقدّم فيه هذه العمليات كجزء من سياسة وطنية لإعادة التوازن في توزيع فرص الإدماج، يشعر عدد من شباب طنجة أنهم مستثنون من مناصب شغل تقام فوق تراب منطقتهم.
يقول أمين، خريج مركز للتكوين المهني: “أنا ماشي ضد شي شاب يخدم، الله يسهل على الجميع، ولكن واش معقول يكونو كيختارو شباب من مناطق بعيدة، ويجيبوهم يخدمو هنا، وحنا اللي ترعرعنا فهذ المدينة ما كاين حتى تفضيل بسيط؟”.
في المقابل، يرى مسؤولو التشغيل أن هذه الدينامية لا تُقصي أحدا، بل تنخرط في رؤية وطنية تستند إلى مبدأ تكافؤ الفرص، كما توضح الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات.
أنابيك تقول إن شباب طنجة يستفيدون بدورهم من خدمات الوكالة، ومن آلاف المناصب التي تخلقها المقاولات محليا، لكن التنافس يظل قائماً، والسوق مفتوح أمام كل من يستجيب لشروط الشغل
ويوضح مصدر من داخل الوكالة أن “أنابيك تشتغل على المستوى الوطني، وتسعى إلى إدماج أكبر عدد ممكن من الشباب بناء على مؤهلاتهم وكفاءاتهم، وليس على أساس جغرافي”، مضيفا أن “بعض العمليات التوجيهية لفائدة شباب من مناطق بعيدة، تتم في إطار برامج خاصة تسعى الدولة من خلالها إلى دعم الجهات الأقل استفادة من فرص الشغل”.
ويضيف المصدر ذاته أن “شباب طنجة يستفيدون بدورهم من خدمات الوكالة، ومن آلاف المناصب التي تخلقها المقاولات محليا، لكن التنافس يظل قائماً، والسوق مفتوح أمام كل من يستجيب لشروط الشغل”.
ورغم هذا التوضيح، يبقى الشعور بالتهميش قائما لدى البعض. ففاطمة، حاملة شهادة الإجازة، تقول إنها قدّمت عدة طلبات دون جدوى، مضيفة: “المدينة تغيرات بزاف، الأسعار طلعات، الضغط زاد، ولكن الفرص كتروح لناس من برا. هادشي كيخلينا نحسو وكأننا غرباء فمدينتنا”.
لكن وسط هذا الشعور المتفاوت، هناك قناعة تترسخ لدى عدد من الشباب الطنجي: أن مدينة طنجة، بموقعها الجغرافي الفريد وارتباطها العابر للقارات، لم تكن يوما اختيارا اعتباطيا للدولة، ولا هدية موجهة لسكان الشمال كما يلمّح البعض. بل هي مدينة فرضت نفسها كمنصة استراتيجية للإقلاع الاقتصادي المغربي، ما يجعل الاستثمارات الموجهة إليها خدمة للبلاد ككل، لا امتيازا لجهة دون أخرى.
ومن هذا المنظور، تبدو دعوة شباب طنجة أكثر نضجا واتزانا: ليست للمطالبة بحصرية أو امتياز، بل لتذكير الدولة بأن العدالة المجالية لا تقتصر على توزيع المشاريع، بل تشمل أيضا توزيع منافعها، وفي مقدمتها مناصب الشغل.
“نحن لا نطلب الإقصاء لأحد”، يقول أحد الفاعلين المدنيين، “بل نطالب فقط بأن يُراعى حق أبناء هذه المدينة في نيل نصيب من ثمار تحولها، خصوصاً من وُلدوا وكبروا وهم يتابعون كيف تغيّرت حياتهم دون أن تتغير حظوظهم”.
ومع تعدد المبادرات الموجهة لفائدة شباب من أقاليم بعيدة، والتي تختار السلطات بين الفينة والأخرى مدناً محددة للاستفادة من بعض ثمار الدينامية الاقتصادية بطنجة، يبرز تساؤل مشروع لدى فاعلين محليين: هل يُعقل أن تظل طنجة وحدها تتحمّل، وبشكل مستمر، الضغط الناتج عن هشاشة الاقتصاد الوطني في مناطق أخرى؟ وهل الاستثمارات التي ضُخّت في المدينة كافية فعلاً لتمكينها من مواكبة هذا الامتداد الاجتماعي والاقتصادي، دون أن ينعكس ذلك على نسيجها المجتمعي والخدماتي؟







