قبل أن تستسلم للصمت وتغلق أبوابها، لم تكن قاعة “بدر” المغطاة في طنجة تقاس بأمتارها المربعة أو بطاقتها الاستيعابية. بل كانت مساحة قريبة من جمهورها، تلتصق فيها المدرجات بأرضية اللعب، ويحفظ المتفرجون الطريق إليها كما يحفظون مواعيد اتحاد طنجة لكرة السلة.
في تلك السنوات، كانت كرة السلة تصنع أمسيات خاصة في المدينة. فلم تكن القاعة تحتاج إلى حملات تعبئة كي تمتلئ عن آخرها. بل كان يكفي أن يعلن عن استقبال المغرب الفاسي، أو جمعية سلا، أو الوداد البيضاوي، أو إثري الناظور، حتى تتحول أبوابها الضيقة إلى ممر مزدحم بجمهور يعرف أن المقعد داخل بدر لا ينتظر المتأخرين.
ومن هذا القرب بين الفريق وجمهوره، اكتسبت قاعة بدر هويتها الخاصة. لم تكن مجرد خلفية خرسانية للمباريات، بل فضاء حميميا تذوب فيه المسافات بين اللاعب والمشجع. فكل تمريرة كانت ترى عن قرب، وكل ارتقاء نحو السلة ترافقه أنفاس المدرجات، وكل فوز يخرج من تلك الأبواب ليصبح حديثا صغيرا في الشارع الطنجاوي.
ولم تكن تلك الحرارة الجماهيرية مجرد انطباعات. ففي حوار يعود إلى سنة 2009، استعاد الراحل محمد سمير بروحو، الرئيس المنتدب السابق لاتحاد طنجة لكرة السلة، مشهدا يلخص تلك الحقبة، حين تحدث عن مباراة أمام المغرب الفاسي استقطبت نحو ألف و200 متفرج، لم يجد أكثر من نصفهم مكانا داخل القاعة، وحققت مداخيل تجاوزت 50 ألف درهم.
كان ذلك دليلا على أن كرة السلة الطنجية لم تكن فرعا هامشيا يعيش على ما تبقى من اهتمام الجمهور. بل كانت موعدا قائما بذاته، يدفع فيه المشجع ثمن التذكرة، ويملأ المدرجات، ويبقى جزء من الجمهور خارج الأبواب حين تضيق القاعة بعشاقها.
على هذه الأرضية، نقشت قاعة بدر أبرز محطات تلك المرحلة. ففي دجنبر 2008، فاز اتحاد طنجة داخل قاعته على أمل الصويرة بـ73 مقابل 60، وانتزع لقب “بطل الخريف” بعد سلسلة من ثمانية انتصارات متتالية.
ولم تكن النتيجة مجرد رقم في أرشيف البطولة، بل محطة رسخت صورة القاعة كبيت صغير لمرحلة كبيرة من كرة السلة الطنجية.
وفي ذلك الفضاء القريب، برزت أسماء ارتبطت بذاكرة الجمهور، من بينها خالد خليفي، الذي قدمته الصحافة الرياضية في تلك الفترة كأحد اللاعبين المحبوبين لدى الطنجاويين. حيث كان نجم كرة السلة يصنع علاقته مع الجمهور بالحركة المباشرة، وبالعرق، وبالقرب من المدرجات، لا عبر الشاشات أو المسافات الباردة.
ولم تقتصر وظيفة بدر على الفريق الأول. فقد احتضنت تدريبات ومباريات الفئات الصغرى، وجلست في مدرجاتها عائلات تتابع أبناءها وهم يتعلمون خطواتهم الأولى في اللعبة. كما كانت، في فترات مختلفة، نقطة تجمع وحجز للتنقلات، ومحطة من محطات الذاكرة التشجيعية لاتحاد طنجة.
لكن حياة المكان اصطدمت لاحقا بواقع البناية. فبعد إعادة افتتاحها إثر إصلاحات في مارس 2006، بدأت وضعية القاعة تتدهور تدريجيا، إلى أن قررت جماعة طنجة، في يناير 2020، إغلاقها ومنع الولوج إليها ومزاولة أي نشاط داخلها، حفاظا على السلامة العامة.
ومنذ ذلك القرار، توقفت المباريات، وغابت التداريب، وصارت القاعة التي كانت تضيق بجمهورها مغلقة على صمت طويل.
غير أن اسم قاعة بدر لم يختف من وثائق المدينة. فقد عاد ضمن برنامج عمل جماعة طنجة 2022-2027 كمرفق رياضي تابع للجماعة يحتاج إلى الصيانة أو التجديد.
وتشير الوثيقة ذاتها إلى أن طنجة تتوفر على بنية رياضية تضم 157 ناديا وقاعة رياضية، و81 ملعب قرب، و22 ملعبا في طور الدراسة، مع تسجيل تمركز جزء مهم من هذه المنشآت في القرية الرياضية.
وفي هذه الخريطة الجديدة، تبرز القاعة المغطاة الزياتن باعتبارها من أهم القاعات الرياضية في طنجة، بطاقة استيعابية أكبر وتجهيزات أحدث، وقدرة على احتضان تظاهرات وطنية وقارية. كما تؤدي قاعات أخرى، مثل الدرادب والمرس، وظائف رياضية داخل أحياء المدينة.
لكن بدر تكشف فارقا لا ترصده لغة الأرقام وحدها. فقد تكون الزياتن أكبر وأكثر تطورا، وقد تكون قاعات أخرى أكثر ملاءمة للمعايير الحديثة، غير أن الحنين لا تصنعه الجدران الجديدة فقط. بل تصنعه مباريات محفورة في الذاكرة، وأبواب ضاقت بالمتفرجين، ولاعبون أحبهم الجمهور، وأجيال دخلت القاعة مرة مع آبائها ثم عادت إليها بذاكرة كاملة.
لهذا لا تبدو قاعة بدر مجرد مرفق أغلق لأسباب تقنية. إنها اسم من زمن كانت فيه كرة السلة في طنجة قادرة على خلق فرجة قريبة من الناس، وجمع جمهور واسع داخل مدرج صغير، ومنح المدينة موعدا رياضيا له طعم خاص.
وبين برنامج عمل جماعي ينتظر التفعيل، وذاكرة لا تزال تستعيد صدى الهتافات، تقف قاعة بدر اليوم صامتة. أبوابها موصدة، لكن اسمها ما زال مفتوحا على حقبة لم تنسها طنجة.







