تتجه عمالة طنجة أصيلة نحو انتخابات 23 شتنبر التشريعية لانتخاب خمسة نواب بمجلس النواب، وسط معادلة سياسية واقتصادية جديدة تفرضها التحولات العمرانية والديمغرافية المتسارعة التي شهدتها عاصمة البوغاز خلال العقد الأخير.
ولم يعد الرهان الانتخابي يتمركز حول الوعود بالبنيات التحتية الضخمة وجذب الاستثمارات الدولية التي استقرت بالفعل بالمنطقة، بل بات يتركز على القدرة على تدبير التبعات الهيكلية لهذا النمو وتأثيراته المباشرة على خدمات السكن والنقل والتكوين والماء.
وتواجه الأحزاب السياسية المتنافسة في هذه الدائرة معضلة إعادة صياغة عروضها الانتخابية، إذ إن البنيات التحتية الكبرى، من ميناء طنجة المتوسط والقطار فائق السرعة “البراق” والمنشآت الصناعية المتطورة والمركز الاستشفائي الجامعي، أضحت واقعا قائما يتجاوز الزمن الانتخابي.
وتبرز طنجة حاليا كأحد أكبر المراكز الصناعية واللوجستية بالمملكة، حيث تحتضن المناطق التابعة لمجموعة “طنجة المتوسط” نحو 1500 مقاولة توفر 145 ألف منصب شغل مباشر، عقب استقطابها 106 مشاريع جديدة و14 توسعة خلال سنة 2025 باستثمارات خاصة بلغت 1.88 مليار دولار.
مدينة خارج المقاس
غير أن هذا الامتداد الاقتصادي يقابله تحول ديمغرافي واسع النطاق، حيث أظهرت معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أن عدد سكان عمالة طنجة أصيلة ارتفع بـ428 ألفا و812 نسمة خلال عقد واحد، لينتقل من 1.065 مليون نسمة سنة 2014 إلى 1.494 مليون نسمة سنة 2024، بنمو بلغت نسبته 40.3 في المائة.
وفي السياق ذاته، شهدت جماعة كزناية، التي اندمجت كليا في النسيج الاقتصادي والعمراني لطنجة، قفزة ديمغرافية استثنائية بعدما ارتفع عدد سكانها من 23 ألفا و601 نسمة إلى 88 ألفا و676 نسمة خلال الفترة ذاتها، بمعدل نمو سنوي قدره 14.15 في المائة.
وتضع هذه المعطيات المرشحين أمام واقع يفرض نقل النقاش الانتخابي من كيفية جلب النمو إلى كيفية حكامة نتائجه وتدبير ضغوطه العمرانية.
ولا يدخل مرشحو استحقاق 2026 هذا التنافس من صفحة بيضاء، إذ تقاسمت الأحزاب الخمسة التي فازت بمقاعد الدائرة في انتخابات 2021، وهي الاتحاد الدستوري، والاستقلال، والأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، المشهد السياسي المحلي.
وتعود ثلاثة مقاعد من هذه الخماسية لأحزاب التحالف الحكومي، الأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، مما يمنح البرامج الانتخابية المرتقبة بعدا يمزج بين تقديم الوعود ومساءلة حصيلة التدبير العمومي، باعتبار أن ثلاثة من ممثلي الدائرة كانوا ينتمون إلى أحزاب تقود الحكومة خلال الولاية المنتهية.
مصانع وبطالة مستمرة
وتتجلى أبرز المفارقات الاقتصادية في سوق الشغل المحلية، فبرغم التوسع المستمر للنسيج الصناعي، أظهر إحصاء 2024 استمرار معدل البطالة في حدود 15.3 في المائة على مستوى عمالة طنجة أصيلة.
ولا يلغي هذا المؤشر الدينامية الاستثمارية لـ”طنجة المتوسط” الذي أحدث وحده 15 ألفا و658 فرصة شغل جديدة خلال سنة 2025، لكنه يقلص من الفاعلية التفسيرية للشعار الانتخابي التقليدي الداعي إلى “جلب الاستثمار لإنشاء الوظائف”.
وتكشف المعطيات الميدانية أن الإشكال يتركز في نوعية الوظائف، ومستويات الأجور، والتكوين المهني، وكلفة العيش، وتسهيلات الوصول إلى مقرات العمل.
وكانت وحدات صناعية بطنجة قد أفادت في يونيو الماضي بمواجهتها خصاصا في اليد العاملة، بالتوازي مع إحجام فئات من الشباب عن شغل وظائف يعتبرون أجورها غير متوافقة مع تكاليف المعيشة الحضرية، مما يجعل التحدي متمثلا في آليات التوفيق بين المهارات والمعروض الوظيفي.
وعلى مستوى التنقل، كشفت معطيات حديثة للمندوبية السامية للتخطيط أن 34.3 في المائة من المشتغلين بطنجة يعتمدون على وسائط النقل التي يوفرها المشغل، وهي نسبة استثنائية مقارنة بالمدن الكبرى تعكس البعد المجالي للمناطق الصناعية المتواجدة خارج المراكز السكنية الرئيسية، وتشير إلى أن جزءا من المنظومة اللوجستية لنقل العمال صار ملحقا بالمصانع بدلا من شبكات النقل العمومي الجماعي.
وأكدت دراسة أكاديمية صدرت في أبريل 2026 حول التمدد الحضري في طنجة وضواحيها (1965-2024) أن التسارع الصناعي والديمغرافي فرض توسعا عمرانيا نحو الأراضي الطرفية، مما يستوجب صياغة استراتيجيات جديدة للحكامة الترابية وشبكات المواصلات.
ويرتبط ذلك بقطاع السكن، حيث وصلت نسبة الأسر الحضرية المكتَرية لمساكنها بعمالة طنجة أصيلة إلى 42.3 في المائة، مقابل 47.6 في المائة للأسر المالكة، وهي أعلى نسبة إيجار بجهة طنجة تطوان الحسيمة مقارنة بمعدل وطني لا يتجاوز 28 في المائة، ما يتطلب مراجعة السياسات العمومية المحصورة في دعم التملك الفردي دون مراعاة واقع سوق الإيجار الحضري.
ما بعد المشاريع
وتشهد المرافق والمؤسسات العمومية ضغوطا متزايدة تستدعي حلولا انتقالية واستثمارات إضافية، حيث يلجأ مطار طنجة ابن بطوطة إلى إجراءات انتقالية رفعت طاقته الاستيعابية من 1.5 مليون إلى 2.3 مليون مسافر سنويا في انتظار تدشين المحطة الجديدة بحلول عام 2028.
وفي قطاع الموارد المائية، انتقلت السلطات العمومية من مرحلة الدراسات إلى إطلاق مشروع محطة تحلية مياه البحر بطنجة بطاقة 150 مليون متر مكعب سنويا لمواجهة الإجهاد المائي بحوض اللوكوس وتأمين التزود بالماء الصالح للشرب وحاجيات القطاع الصناعي.
وامتدادا لذلك، يتركز الدور المرتقب لنواب الدائرة في مجلس النواب على الترافع المؤسساتي لتأمين الاعتمادات المالية وتضمينها في قوانين المالية، وتسريع وتيرة التنفيذ ومراقبة الأداء الحكومي، بدلا من إعادة تقديم مشاريع مبرمجة أصلا.
وتتيح الصلاحيات التشريعية والمالية تحويل الوزن الاقتصادي والديمغرافي لطنجة إلى حصة تتناسب مع وزنها السكاني والاقتصادي من الموارد والتجهيزات العمومية في مجالات الصحة والتعليم والماء والنقل.







