تتجه الحكومة الإسبانية إلى تثبيت رواية تستبعد أي تدبير مغربي لموجة الهجرة التي شهدتها سبتة المحتلة نهاية يوليوز، وتحمّل ظروف التعبئة الرقمية وخروج التحركات عن السيطرة مسؤولية ما وقع، فيما تراهن مدريد على التعاون مع الرباط لمنع تكرار الأزمة التي باتت تضغط بقوة على حكومة بيدرو سانشيز.
وقالت مصادر حكومية إسبانية رفيعة إن مدريد تعتقد أن السلطات المغربية فقدت السيطرة على الوضع يوم 30 يوليوز، لكنها لم تشجع عملية العبور الجماعي ولم تستخدمها أداة للضغط على إسبانيا، في موقف يناقض بصورة مباشرة اتهامات المعارضة اليمينية للرباط.
ويمثل هذا التقدير أحدث موقف يصدر من داخل الحكومة الإسبانية بشأن مسؤولية المغرب، بعد ثلاثة أسابيع من الجدل الذي حاول خلاله الحزب الشعبي نقل الأزمة من سؤال تدبير مدريد لها إلى اتهام الرباط بالسماح بها عمدا.
لكن مصادر حكومية على أعلى مستوى، تحدثت إلى صحيفة “إلباييس”، شددت على أن مدريد تفرق بين ما وقع هذه المرة وأزمة ماي 2021، عندما اعتبرت إسبانيا أن السماح بعبور آلاف الأشخاص جاء في سياق أزمة دبلوماسية مفتوحة مع المغرب.
وتقول الحكومة الإسبانية إن هذا العنصر السياسي غائب هذه المرة، وإن المعطيات المتوفرة لديها لا تدعم فرضية أن الرباط قررت توظيف الهجرة للضغط على مدريد.
ميدانيا، عززت التحركات المغربية اللاحقة هذا التقدير، بعدما رفعت السلطات مستوى الانتشار الأمني في الفنيدق والمناطق المحيطة بسبتة، وأحبطت في 15 غشت محاولة جديدة روجت لها مجموعات على تطبيقات التواصل الاجتماعي.
ورصدت وسائل إعلام إسبانية آنذاك تعزيز الحضور الأمني المغربي وإقامة وسائل إضافية لمنع الاقتراب من محيط سبتة، في وقت كانت فيه دعوات جديدة تحدد 15 غشت موعدا لمحاولة عبور جماعية.
وانتهى ذلك اليوم دون تكرار مشاهد 30 يوليوز، بعدما تدخلت السلطات المغربية لمنع مئات المرشحين للهجرة من الوصول إلى محيط سبتة.
ويمنح هذا التطور الرباط حجة ميدانية في مواجهة الاتهامات التي ربطت موجة يوليوز بقرار سياسي مغربي، إذ أظهرت إجراءات منتصف غشت أن المغرب تحرك لمنع تكرارها عندما ظهرت مؤشرات تعبئة جديدة.
الرباط شريك لا متهم
ومنذ الساعات الأولى للأزمة، حرصت حكومة سانشيز على إبقاء التعاون مع المغرب في صلب مقاربتها.
وقال سانشيز خلال زيارته إلى سبتة في 31 يوليوز إن الاتصال بالسلطات المغربية كان “مستمرا وسلسا”، وأشاد باستعداد الرباط للتعاون في إعادة المواطنين المغاربة الذين دخلوا بصورة غير نظامية. كما شدد على أن خفض الهجرة غير النظامية خلال السنوات الماضية ارتبط بالتعاون مع دول المنشأ والعبور وفي مقدمتها المغرب.
وتشير المواقف الحكومية اللاحقة إلى أن مدريد لا تنوي تغيير هذه المقاربة رغم الضغوط السياسية الداخلية، بل تعتبر التنسيق مع الرباط جزءا أساسيا من منع موجة جديدة.
ويأتي ذلك في وقت تحولت فيه تداعيات الأزمة تدريجيا إلى مشكلة داخلية إسبانية، مرتبطة بإيواء من بقوا في سبتة، وتحديد أوضاع القاصرين، والخلاف بين الحكومة المركزية وسلطات المدينة بشأن مواقع الاستقبال وكيفية استعادة الوضع الطبيعي.
وأعلنت وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة إلما سايث الأحد أن وزارة الداخلية حددت حتى الآن هوية 2500 قاصر ممن دخلوا سبتة نهاية يوليوز، مؤكدة أن العملية تتطلب دراسة فردية لكل حالة ولا تنفذ بصورة آلية.
وتكشف هذه المعطيات أن الجزء الأصعب من الأزمة لم يعد مرتبطا بمنع العبور من الجانب المغربي، بل بتدبير مدريد للآلاف الذين بقوا داخل سبتة وبالمساطر القانونية الخاصة بالقاصرين وطلبات الحماية.
ضغط ينتقل إلى مدريد
وتستعد حكومة سانشيز لمواجهة أسبوع سياسي ثقيل، إذ تعود أزمة سبتة إلى مجلس الوزراء الثلاثاء، بينما يمثل عدد من الوزراء أمام البرلمان لتفسير كيفية تدبير أكبر موجة عبور شهدتها المدينة.
وتقر أوساط حكومية إسبانية بأن الاستجابة الداخلية شابها البطء، بينما دخلت الحكومة المركزية وسلطات سبتة في خلافات بشأن أماكن إقامة المهاجرين والإجراءات اللازمة لاحتواء التداعيات الاجتماعية والاقتصادية.
وفي المقابل، يواصل الحزب الشعبي محاولة توجيه النقاش نحو المغرب، إذ قال زعيمه ألبرتو نونييث فييخو إن الرباط “سمحت أو شجعت” ما وقع، وهي فرضية لا تتبناها حكومة سانشيز استنادا إلى تقييمها للمعطيات التي سبقت الموجة وتلتها.
وهكذا انتقل مركز الأزمة تدريجيا من سؤال دور المغرب إلى سؤال قدرة الحكومة الإسبانية نفسها على إدارة تداعياتها.
فمدريد التي شكرت الرباط على التعاون في الأيام الأولى، واستندت لاحقا إلى التحرك المغربي لمنع محاولة 15 غشت، تتمسك اليوم باعتبار ما وقع في 30 يوليوز انفلاتا لم تخطط له السلطات المغربية، بينما تنظر إلى استمرار التنسيق مع المغرب باعتباره الضمان العملي الأهم لمنع تكرار السيناريو نفسه.
وبهذا الموقف، تجد الرباط نفسها خارج دائرة الاتهام الرسمية في مدريد، فيما تواجه حكومة سانشيز معارضة داخلية تحاول تحميل السياسة الإسبانية تجاه المغرب كلفة أزمة تتجه المعطيات الحكومية نفسها إلى فصلها عن أي قرار سياسي مغربي.







