قال مدير معهد ثربانتيس في طنجة، الشاعر الإسباني خوان بيثينتي بيكيراس، إن حضور اللغة الإسبانية في المدينة المغربية تراجع خلال العقود الأخيرة، معتبرا أن إسبانيا لم تولِ عناية كافية لإرثها الثقافي في إحدى أكثر مدن المغرب ارتباطا تاريخيا بها.
وأوضح بيكيراس، في تصريحات لصحيفة “إل باييس” الإسبانية على هامش إطلاق مهرجان “فوتو طنجة”، أن الإسبانية “ذهبت إلى أقل”، لكونها لا تدرّس ضمن التعليم النظامي في المغرب على غرار الفرنسية أو الإنجليزية، بعدما فقدت موقعها السابق كلغة ثانية واسعة التداول في طنجة.
وأضاف أن طنجة كانت طويلا مدينة ذات حضور إسباني وازن، قبل أن تغير التحولات الاجتماعية والديمغرافية التي عرفتها خلال العقود الأخيرة جزءا من هويتها الثقافية واللغوية.
وأشار إلى أن النخب الثقافية في المدينة ظلت في جانب كبير منها فرنكوفونية، فيما ساهمت الهجرة الداخلية من مناطق مغربية أخرى في إعادة تشكيل الحياة اليومية في طنجة، بما انعكس على مكانة الإسبانية في الفضاء العام.
ووصف بيكيراس طنجة بأنها تقع “جنوب الأندلس المنخفضة”، يفصلها عن إسبانيا “شارع من الماء” هو مضيق جبل طارق، في إشارة إلى القرب الجغرافي والرمزي بين المدينة والجنوب الإسباني.
لكن هذا القرب، بحسبه، لم يمنع تراجع الحضور الثقافي الإسباني، إذ قال إن إسبانيا “لم تعتن هنا بإرثها الثقافي كما في بلدان أخرى”.
واستحضر في هذا السياق مسرح ثربانتيس الكبير في طنجة، واصفا إياه بأنه “جوهرة” عمرها أكثر من قرن، وكانت أول قاعة كبرى في المغرب، قبل أن تنتهي إلى الخراب وهي في عهدة إسبانية.
وقال إن المسرح يخضع اليوم للترميم من جانب المغاربة، معتبرا أن ذلك يعكس مفارقة في تعامل إسبانيا مع إرثها الثقافي في المدينة.
ودعا مدير معهد ثربانتيس إلى “ميثاق ثقافي على مستوى سياسي عال” لضمان استمرار الحضور الإسباني في طنجة، مؤكدا أن المغرب وإسبانيا معنيان معا بتعزيز التبادل الثقافي بينهما.
وتزامنت تصريحاته مع إطلاق مهرجان “فوتو طنجة”، الذي اختار إسبانيا بلدا ضيفا، من خلال معرض للمصورة الإسبانية إيزابيل مونيوث وبرنامج للسينما الإسبانية.
ويرأس المهرجان الكاتب المغربي الطاهر بن جلون، الحاصل على جائزة غونكور، تحت شعار “نداء الأفق”، في مبادرة تقدم طنجة بوصفها مدينة مفتوحة على التبادل الثقافي والإبداع الفني.
وقال بن جلون خلال الجلسة الافتتاحية إن المهرجان يشكل “تكريما للمدينة وقصصها”، وفرصة لاستعادة انفتاح طنجة التقليدي على العالم.
غير أنه اعتبر، في تصريحات للصحيفة نفسها، أن طنجة تحتاج كي تصبح عاصمة حقيقية للثقافة المغربية إلى مكتبات ومسرح كبير ومزيد من قاعات السينما، إضافة إلى استثمارات وبنيات ثقافية.
وأضاف أن إسبانيا يمكن أن تقوم بدور مهم في تحويل طنجة إلى “منارة ثقافية حقيقية”، قائلا: “يمكننا أن نفعل أشياء معا”.
وتتضمن دورة “فوتو طنجة” معرضا لإيزابيل مونيوث في رواق معهد ثربانتيس، إلى جانب عروض للسينما الإسبانية في قاعة “سينما القصبة”، بينها “مرحبا مستر مارشال” و”إل 47”.
كما تشمل البرمجة أفلاما مرتبطة بطنجة، من بينها “زنقة مالقة” لمريم التوزاني، بمشاركة كارمن مورا، و”خوانيتا ناربوني” لفريدة بليزيد، المقتبس عن عمل الكاتب الإسباني أنخيل فاسكيز.
وتحضر طنجة في المقال بوصفها فضاء أدبيا ألهم كتابا إسبانا وأوروبيين، من خوان غويتيسولو وبول بولز إلى خافيير فالينزويلا وماريا دوينياس. كما يستعيد النص موقف الكاتب المغربي محمد شكري، الذي انتقد كثيرا من الكتب الأجنبية عن المدينة، معتبرا أنها لا تقدم سوى “بطاقات بريدية”.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تسعى فيه طنجة إلى تعزيز موقعها الثقافي، بعد تحولات اقتصادية وعمرانية جعلتها أول ميناء حاويات في المتوسط ومنصة صناعية بارزة في المغرب. غير أن النقاش الذي فتحه مدير معهد ثربانتيس يعيد التركيز على موقع اللغة والثقافة الإسبانيتين في مدينة ظلت تاريخيا من أقرب الحواضر المغربية إلى إسبانيا.







