بصوتٍ يحمل بحة سنوات من المراقبة والرصد، يعيد الرابور “مسلم” نبض الهامش إلى واجهة المشهد الموسيقي، متجاوزاً حدود “التريند” ليغوص مجدداً في دهاليز القاع الاجتماعي، حيث لا مكان للألوان الزاهية.
في عمله الجديد، لا يقدم مسلم مجرد أغنية، بل يفتح ملفاً أمنياً واجتماعياً بلسان الشارع. كلماتٌ مكتوبة بـ”الدارجة” الخشنة، تقتحم بيوت الأحياء الشعبية التي غالباً ما توارى أوجاعها خلف جدران الصمت.
خارطة الألم
يرسم العمل صورة بانورامية لمسار إنساني محاصر؛ طفولة تسرقها البطالة، وشباب يراوح بين خيارين أحلاهما مرّ: “قضبان السجن” أو “مغامرة الغربة”. لغة مسلم هنا لا تجمّل الواقع، بل تضعه عارياً أمام المستمع، كأنها مرايا تعكس وجوه جيلٍ يشعر بأنه يسير في نفق لا ضوء في آخره.
يقول مراقبون للمشهد الموسيقي إن مسلم يمارس في هذا العمل دور “الراوي الشاهد”. هو لا يتحدث من برج عاجي، بل من قلب “الحومة”، حيث تصبح الحياة اليومية “مواجهة مستمرة” مع القسوة وانعدام الثقة. النبرة الاحتجاجية لا تكتفي بجلد الذات، بل توزع تهم الخذلان على بيئة اجتماعية ضيقة الفرص، وعلى واقع لا يرحم الضعفاء.
أبعد من الموسيقى
بينما يميل جانب كبير من “الراب” المعاصر نحو الإيقاعات السريعة والكلمات الاستعراضية، يختار ابن مدينة طنجة طريقاً مغايراً. فهو يصرّ على أن تكون الموسيقى “أداة سرد اجتماعي”، تكشف هشاشة الواقع وتمنح صوتاً لمن سقطوا من حسابات الخطاب الرسمي.
بهذا العمل، يثبت مسلم أن الراب في المغرب لم يفقد بوصلته، وأن “وجع الهامش” لا يزال مادة دسمة وقابلة للاشتعال فنياً. هو صوتٌ لم يغادر محطته الأولى، رغم عقود من النجومية، ليظل وفياً لجمهور يرى في أغانيه مرآة لقصص لم تجد من يكتبها في الصحف، فغنتها الحناجر في الأزقة.
تأتي هذه العودة لتؤكد أن الراب المغربي، في جوهره الأكثر صدقاً، يظل لسان حال الفئات التي تعيش في الظل، يقتنص اللحظة، يوثق الخيبة، ويصرخ نيابة عن جيلٍ يبحث عن مكانٍ له تحت الشمس، وسط واقعٍ يضيق بهم يوماً بعد آخر.







