حين يحتاج مواطن إلى وضع شكاية، أو يبحث سائق عن مصلحة تعالج حادثة سير، أو تطلب امرأة حماية من عنف، أو تتحرك دورية نجدة نحو شارع مزدحم، لا يظهر الأمن الوطني كمؤسسة بعيدة، بل كخدمة يومية لها عناوين ومكاتب وفرق واختصاصات.
من هذه التفاصيل تتشكل الخريطة الشرطية داخل طنجة: دوائر أمنية تستقبل المرتفقين، مصالح لحوادث السير، مكاتب للشكايات، خلايا للتكفل بالنساء ضحايا العنف، وفرق للمرور والنجدة والشرطة القضائية تتحرك خارج المقرات الثابتة.
وتمنح الذكرى السبعون لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني مناسبة لقراءة هذا الوجه الأقل تداولا للمرفق الشرطي، بعيدا عن حصائل الجريمة وأرقام التوقيف، وقريبا من سؤال الخدمة: أين يتجه المواطن؟ من يستقبله؟ وأي مصلحة تتكفل بحاجته؟
فالمدينة التي توسعت نحو بني مكادة وبوخالف وكزناية والمطار والمناطق الصناعية، لم تعد تحتاج فقط إلى حضور أمني في الشارع، بل إلى توزيع واضح للمرافق والاختصاصات، يجعل الخدمة أقرب إلى الأحياء، وأقدر على مواكبة إيقاع حضري يتحرك في أكثر من اتجاه.
الخدمة تبدأ من العنوان الأقرب
بالنسبة إلى أغلب المواطنين، تبدأ العلاقة اليومية مع الأمن الوطني من الدائرة الأمنية. فهي العنوان الأقرب لوضع شكاية، أو طلب توجيه، أو إنجاز بعض الوثائق الإدارية، أو عرض واقعة تحتاج إلى معالجة أولية قبل إحالتها، بحسب طبيعتها، على مصالح أكثر تخصصا.
ولا تؤدي الدائرة الأمنية وظيفة ترابية فقط. فهي واجهة استقبال وتوجيه، وحلقة وصل بين المواطن وباقي المصالح، خصوصا الشرطة القضائية ومصالح حوادث السير وخلايا التكفل بالنساء ضحايا العنف. ومن خلالها يلمس المرتفق معنى القرب الأمني في صورته العملية: مقر معروف، مسار واضح، واختصاصات تقرب الخدمة من الحي.
ويظهر هذا الدور بوضوح في الأحياء التي عرفت توسعا سكانيا وعمرانيا خلال السنوات الأخيرة. فافتتاح الدائرة الأمنية الثانية عشرة بحي العرفان في بوخالف، سنة 2022، جاء لتغطية مجال كان موزعا بين دائرتين أمنيتين، وخدمة حوالي 70 ألف نسمة داخل مساحة تناهز 24 كيلومترا مربعا، تشمل شاطئ سيدي قاسم والمركب الجامعي الزياتن ومحاور طرقية حيوية.
ولا يتعلق الأمر بإضافة مقر فقط، بل بإعادة تقريب الخدمة من مجال يعرف كثافة سكنية وجامعية وحركية مرورية متزايدة. فبوخالف لم يعد مجرد امتداد عمراني، بل صار واحدا من مداخل المدينة الجديدة، بما يضمه من سكن وجامعة وطرق ومرافق قريبة من المطار وكزناية.
وتحتل مصالح حوادث السير موقعا خاصا داخل هذه الخريطة. فحادثة السير لا تستدعي فقط المعاينة أو تحرير المحاضر، بل تفتح مسارا إداريا وتقنيا يحتاج إليه المواطن في ظرفية غالبا ما تكون مطبوعة بالتوتر والاستعجال. لذلك يصبح موقع مصلحة حوادث السير جزءا من جودة الخدمة، ليس فقط من حيث المسافة الجغرافية، بل أيضا من حيث اختصار زمن التنقل وتخفيف الضغط عن المرتفقين.
وفي سنة 2023، جرى تدشين مقر جديد للدائرة الأمنية الرابعة ومصلحة حوادث السير الثالثة بولاية أمن طنجة، في إطار تحديث البنيات الشرطية وتقريب الخدمات من السكان. وتشير المعطيات التي رافقت تدشين هذا المرفق إلى أنه يغطي مجالا ترابيا تصل مساحته إلى 160 هكتارا، موزعة على ثلاث ملحقات إدارية حضرية، ويخدم ساكنة تفوق 140 ألف نسمة.
وتكتسب هذه المصالح أهمية أكبر داخل مدينة تتداخل فيها حركة السكان اليومية مع محاور السياحة والصناعة والجامعة والمطار والمناطق السكنية الجديدة. فطنجة لم تعد تتحرك بمحور واحد، بل عبر شبكة طرقية وحضرية متعددة الاتجاهات، ترفع الطلب على شرطة المرور ومصالح حوادث السير وخدمات القرب.
مدينة تتمدد وخريطة تتغير
ولم تعد طنجة تختزل في مركزها التاريخي أو شريطها الساحلي. فقد بلغ عدد سكان جماعة طنجة، وفق نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، مليونا و275 ألفا و428 نسمة، موزعين على 362 ألفا و62 أسرة.
وتكشف هذه الأرقام ثقل مقاطعة بني مكادة، التي تضم 567 ألفا و465 نسمة، مقابل 343 ألفا و535 بطنجة المدينة، و252 ألفا و656 بمغوغة، و111 ألفا و772 بالشرف السواني.
أما جماعة كزناية، الواقعة في مجال التوسع العمراني والصناعي، فانتقل عدد سكانها من 23 ألفا و601 نسمة سنة 2014 إلى 88 ألفا و676 سنة 2024.
هذه التحولات لا تهم التخطيط العمراني وحده. فهي تعيد أيضا طرح سؤال توزيع المرافق الشرطية داخل مدينة توسعت غربا وجنوبا وشرقا، وامتدت نحو بوخالف وكزناية والمطار والمناطق الصناعية، مقابل استمرار ضغط سكاني قوي داخل بني مكادة وعدد من الأحياء الكثيفة.
وتمثل كزناية أحد أبرز عناوين هذا التحول. فالجماعة التي ارتفع عدد سكانها إلى 88 ألفا و676 نسمة سنة 2024، لم تعد مجالا هامشيا خارج المدينة، بل فضاء يجمع بين السكن والصناعة والطرق والمطار ومناطق الشغل. ومع هذا التحول، برز توجه نحو إدماجها ضمن توزيع أمني حضري أكثر تخصصا.
وخلال السنة الماضية، جرى الإعلان محليا عن مشروع إحداث منطقة أمنية ثالثة متمركزة بجماعة كزناية، في إطار إعادة هيكلة التغطية الأمنية ومواكبة الدينامية العمرانية والديمغرافية التي تعرفها المنطقة.
كما تحدثت معطيات عن مشاريع قيد الدرس تشمل إحداث مقر جديد لولاية أمن طنجة، ومنطقة أمنية ثالثة بكزناية وثلاث دوائر للشرطة، إلى جانب دائرتين جديدتين تابعتين لمنطقة أمن بني مكادة، وترقية مفوضية الأمن بمطار ابن بطوطة إلى منطقة أمنية.
وفي حال تنزيل هذه المشاريع، ستكون طنجة أمام إعادة رسم فعلية لجانب مهم من خريطتها الشرطية. فالأمر لا يهم مقرات إضافية فقط، بل نقل مناطق نمو جديدة إلى مستوى أعلى من التغطية والخدمة والتخصص، وربط الامتداد العمراني والصناعي بمرافق أكثر قدرة على استقبال المرتفقين وتدبير الملفات اليومية.
وفي المقابل، تختصر بني مكادة سؤال الكثافة. أكثر من نصف مليون نسمة داخل مقاطعة واحدة تعني طلبا يوميا كبيرا على الخدمة الشرطية، ليس بالضرورة من زاوية الجريمة، بل من زاوية الحياة اليومية نفسها.
النزاعات البسيطة، الشكايات، ضياع الوثائق، محيط الأسواق، المدارس، النقل، السير، وحالات العنف الأسري، كلها ملفات تجعل القرب الأمني في المناطق الكثيفة حاجة مستمرة. ولذلك يكتسب الحديث عن دائرتين جديدتين تابعتين لمنطقة أمن بني مكادة أهمية خاصة، لأنه يعكس حاجة هذه المنطقة إلى توزيع أفضل للضغط بين مرافق متعددة.
فالقرب في الأحياء الكثيفة لا يعني فقط فتح مقر داخل مجال جغرافي، بل بناء علاقة يومية بين المرفق والساكنة، وتخفيف زمن الانتظار والتنقل، وتوجيه المرتفقين نحو المصالح المختصة دون إرباك أو تداخل.
مقرات ثابتة وفرق تتحرك
ولا تكتمل الخريطة الشرطية بالمقرات المفتوحة للعموم فقط. فجزء مهم من الخدمة يتحرك خارج الجدران: فرق المرور في الشوارع والمحاور، النجدة في التدخلات العاجلة، الدراجون، الشرطة القضائية، الاستعلامات العامة، والفرق المتخصصة التي تشتغل وفق طبيعة الملفات والوقائع.
هذه المصالح لا تظهر دائما للمرتفق في شكل مكتب أو بناية، لكنها تصنع جانبا أساسيا من الخدمة اليومية. فالمواطن الذي يتصل طلبا للنجدة لا يبحث عن مقر، بل عن تدخل. والسائق الذي يمر من محور مزدحم يلمس حضور شرطة المرور في تنظيم الحركة. والملفات التي تتجاوز الشكاية البسيطة تنتقل إلى مصالح مختصة وفق مسار إداري وقانوني محدد.
ولهذا لا يمكن قراءة الخريطة الأمنية بعدد المقرات فقط. فالمرفق الشرطي يجمع بين عناوين ثابتة يقصدها المواطن، وفرق متحركة تغطي المجال بحسب الحاجة، وبين مصالح استقبال ومصالح بحث وتدخل وتوجيه.
ولا تقتصر هذه الخريطة على الأحياء السكنية. فمطار ابن بطوطة، والمناطق الصناعية، ومحاور الربط مع كزناية وطنجة المتوسط، تطرح نوعا آخر من الحاجيات الأمنية والشرطية، يرتبط بالعبور والتنقل والشغل واللوجستيك.
وترقية مفوضية أمن المطار إلى منطقة أمنية، كما ورد ضمن المشاريع المعلنة محليا، تعكس هذا التحول. فالمطار لم يعد مجرد نقطة عبور جوية، بل مرفق مرتبط بصورة المدينة، وبحركة المسافرين، وبالأمن الإداري والحدودي والخدمات المرتبطة بالتنقل.
أما المناطق الصناعية ومحاور الشغل، فتحتاج إلى حضور مختلف عن حضور الأحياء السكنية. هنا تتداخل حركة العمال والشاحنات والتنقلات اليومية وحوادث السير والولوج إلى مناطق الإنتاج، بما يجعل الخدمة الشرطية جزءا من انتظام المجال الاقتصادي أيضا.
وتكشف قراءة توزيع المرافق الأمنية بطنجة أن الأمن الوطني لا يظهر فقط في التدخلات الميدانية، بل في شبكة خدمات تتوزع بين الدوائر، ومصالح حوادث السير، والشرطة القضائية، والاستعلامات العامة، وفرق المرور والنجدة، وخلايا التكفل.
وتأتي الذكرى السبعون لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني في لحظة تعرف فيها طنجة تحولا مجاليا واضحا: توسع نحو كزناية وبوخالف، ضغط سكاني قوي في بني مكادة، حركة عبور عبر المطار، محاور صناعية ولوجستية، وطلب متزايد على خدمات القرب.
من هذه الزاوية، تبدو الخريطة الشرطية جزءا من خريطة المدينة نفسها. فكلما تغير توزيع السكان والأنشطة والطرق، تغيرت معه الحاجة إلى المرفق الأمني، لا بوصفه جهاز تدخل فقط، بل بوصفه خدمة عمومية يومية تبدأ من مكتب استقبال، وقد تنتهي بفرقة متخصصة تتحرك خارج المقر.
وبين الدائرة الأمنية التي يعرفها المواطن، ومصلحة السير التي يحتاج إليها السائق، وفرق النجدة والمرور التي تتحرك في الشارع، ترسم طنجة ملامح مرحلة جديدة في علاقة المدينة بالمرفق الشرطي: خدمة أقرب، اختصاصات أوضح، وخريطة تحاول مواكبة مدينة لم تعد تكبر من مركز واحد.







