كشفت دراسة علمية حديثة عن مؤشرات جيولوجية وجيوتقنية تعكس هشاشة بعض المنحدرات الجبلية في شمال المغرب أمام مخاطر الانزلاقات الأرضية، لا سيما في المناطق التي تتداخل فيها التكوينات الطينية مع التضاريس الوعرة ومعدلات الأمطار المرتفعة، مما يطرح تحديات هندسية تتعلق بسلامة التجمعات السكنية والبنية التحتية في جهة طنجة تطوان الحسيمة.
وأظهرت الدراسة، التي نشرتها دورية “ديسكفر ماتيريالز” (Discover Materials) التابعة لمجموعة “سبرينغر نيتشر” العلمية في 14 أكتوبر الجاري، أن تطبيق نماذج هندسية ورقمية على انزلاق أرضي موثق في سلسلة جبال الريف سجل معاملات أمان دون عتبة الاستقرار البالغة (1.0)، ما يعكس تأثير الخصائص الجيولوجية للتربة والظروف الهيدرولوجية في قابلية المنحدرات للانهيار.
وأعد البحث فريق مكون من ستة باحثين مغاربة، ينتمي خمسة منهم إلى المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بالحسيمة (جامعة عبد المالك السعدي)، إلى جانب باحث من جامعة محمد الأول بوجدة، بهدف تقييم كفاءة تقنيات المحاكاة الحاسوبية في تفسير آليات الانزلاقات الأرضية وتحسين دقة التنبؤ بها ميدانياً.
واستند الجانب التطبيقي من الدراسة إلى بيانات جيوتقنية لانزلاق أرضي موثق في منطقة الجبهة ووادي كرت بالمجال الجبلي للريف، وشملت المحاكاة منحدراً بارتفاع 15 متراً وزاوية ميل تبلغ 28 درجة، مع تحليل فحوصات لطبقة طينية على عمق يتراوح بين 10.5 و12.6 متراً لقياس مقاومتها للانزلاق تحت تأثير الضغط والتشبع بالمياه.
وخلصت الاختبارات إلى تسجيل معامل أمان بلغ 0.64 وفق طرق الحساب الهندسية التقليدية، مقابل 0.75 عند تطبيق نموذج رقمي يعتمد على محاكاة حركة الجزيئات المكونة للتربة (طريقة العناصر المنفصلة)، بفارق يناهز 17 بالمئة بين الطريقتين.
وتشير هذه القيم إلى عدم استقرار المنحدر المدروس وفق الفرضيات الهندسية المعتمدة، بما يتوافق مع التشققات والتحركات السطحية التي وثقها سابقاً المختبر العمومي للتجارب والدراسات بالمغرب.
ورجح الباحثون أن ارتفاع ضغط المياه داخل مسام التربة الطينية جراء تسرب مياه الأمطار ساهم في حدوث الانزلاق المدروس، مشيرين إلى أن بعض مناطق الريف تسجل معدلات هطول تتجاوز 800 مليمتر سنوياً، في بيئة جيولوجية نشطة تكتونياً، مما يؤدي إلى إضعاف مقاومة الطبقات الأرضية للانزلاق، خصوصاً عند تزامن التشبع المائي مع الانحدارات الحادة.
وفي سياق متصل، استحضرت الدراسة أبحاثاً سابقة تناولت انزلاق منطقة بوعلمة على المحور الجبلي الرابط بين كاسيطة ووادي النكور، والذي شمل منحدراً غير مستقر بارتفاع 150 متراً، حيث اقترحت التحليلات آنذاك حلولاً هندسية للتثبيت تشمل إعادة تشكيل المنحدر وتدعيم التربة بمسامير التثبيت.
وتكتسب هذه النتائج أهمية بالنسبة إلى المناطق الجبلية بجهة طنجة تطوان الحسيمة، بالنظر إلى امتداد التضاريس الوعرة والتكوينات الجيولوجية الحساسة في أجزاء من سلسلة الريف، وما يرتبط بها من تحديات تتعلق باستقرار المنحدرات وسلامة المنشآت الطرقية والتجمعات السكنية.
وتوفر الحالات التي تناولتها الدراسة مؤشرات علمية تستدعي توسيع عمليات التقييم الجيوتقني في المناطق الجبلية، خصوصاً على امتداد المحاور الطرقية والمنحدرات التي تتعرض لتأثير التساقطات المطرية، دون أن تعني النتائج المسجلة وجود مستوى مماثل من المخاطر في جميع مناطق الجهة.
وأوضح الفريق البحثي أن تقنيات المحاكاة الرقمية تتيح تتبع الحركة الدقيقة لمكونات التربة والتغيرات التي تطرأ على روابطها الداخلية، مما يساعد على تفسير التطور التدريجي للانهيارات مقارنة بالطرق التقليدية التي تعتمد على حساب التوازن العام للكتلة الأرضية.
في المقابل، أقرت الدراسة باستمرار تحديات تقنية تواجه محاكاة تسرب المياه وارتفاع الضغط داخل التربة، فضلاً عن تباين النتائج بتغير دقة النماذج الرقمية، حيث تعذر الوصول إلى نتيجة حسابية مستقرة في إحدى التجارب عالية التفصيل، مما يستدعي مزيداً من التحقق قبل تعميم هذه الأدوات في التقييمات الهندسية الميدانية.
وحددت الورقة البحثية سبعة تحديات علمية لتطوير نماذج استقرار المنحدرات، من أبرزها نقص الدراسات التطبيقية المستندة إلى انهيارات موثقة ميدانياً، والحاجة إلى تطوير محاكاة التفاعل بين المياه والتربة، فضلاً عن دمج النمذجة الرقمية بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتبرز النتائج أهمية الانتقال من الاكتفاء بدراسة الانزلاقات الأرضية بعد وقوعها إلى تطوير أدوات استباقية لتقدير احتمالات حدوثها، بما يساعد على تحديد المناطق التي تحتاج إلى دراسات تفصيلية وتطوير التدخلات الهندسية لحماية السكان والبنيات التحتية.
ورغم أن المعطيات التي قدمها الباحثون تستند إلى حالات محددة ولا تشكل خريطة شاملة للمخاطر بجهة طنجة تطوان الحسيمة، فإنها توفر مؤشرات علمية بشأن العوامل المؤثرة في استقرار المنحدرات الجبلية بشمال المغرب، وتبرز الحاجة إلى توسيع الرصد الميداني والدراسات الجيوتقنية لتقييم مستويات التعرض للانزلاقات الأرضية.







