يكفي وضع رقمين جنبا إلى جنب لفهم جانب من المعضلة التي يواجهها شاب يبدأ حياته المهنية في طنجة. فالحد الأدنى القانوني للأجر في القطاع غير الفلاحي يدور حاليا حول 3430 درهما خاما شهريا، في حين يصل متوسط كراء شقة بغرفة واحدة خارج وسط المدينة إلى نحو 3100 درهم وفق أحدث بيانات متاحة عن كلفة المعيشة.
ولا تعني هذه المقارنة أن جميع الشباب في طنجة يعيشون بهذا الأجر أو يدفعون هذا الكراء، لكنها تكشف حجم الفجوة بين الحد الأدنى الذي يتيحه سوق الشغل وبين الكلفة التي يتطلبها الانتقال إلى حياة مستقلة في مدينة توسعت فيها الصناعة والخدمات والعقار بوتيرة سريعة.
ومع اقتراب انتخابات 23 شتنبر، تدخل الأجور بصورة أوضح إلى سباق البرامج الحزبية. فالتجمع الوطني للأحرار يتحدث عن حد أدنى يبلغ 5000 درهم، بينما يقترح التقدم والاشتراكية زيادة الأجور والحدين الأدنى الفلاحي وغير الفلاحي بنسبة 15 في المائة، ويضع الاتحاد الاشتراكي رفع متوسط الأجور بنسبة 20 في المائة وزيادة الدخل الصافي للأجراء بنسبة 15 في المائة ضمن أهدافه، في حين يعالج الأصالة والمعاصرة القدرة الشرائية عبر الأجور والضرائب والأسعار والسكن.
غير أن اختبار هذه الوعود في طنجة لا يتوقف عند الأرقام الوطنية وحدها، لأن كلفة العيش في المدينة تفرض مقارنة مباشرة بين ما سيحصل عليه الشاب وما سيدفعه للسكن والتنقل والغذاء والخدمات.
المدينة الغالية
تستحوذ طنجة أصيلة على الجزء الأكبر من الوظائف الدائمة في جهة طنجة تطوان الحسيمة، وهو ما يجعلها واحدة من أكثر المجالات قدرة على خلق فرص الشغل داخل الجهة.
فخريطة المؤسسات الاقتصادية للمندوبية السامية للتخطيط تحصي 301 ألفا و551 وظيفة دائمة داخل المؤسسات الهادفة إلى الربح بالعمالة، أي أكثر من 60 في المائة من مجموع الوظائف المماثلة في الجهة. وتستحوذ الصناعة وحدها على 163 ألفا و407 وظائف، بينما توفر الخدمات نحو 78 ألفا و552 وظيفة، والتجارة نحو 52 ألفا و884 وظيفة.
ويرافق هذا الثقل الاقتصادي نمو سكاني سريع. فقد ارتفع عدد سكان طنجة أصيلة من مليون و65 ألف نسمة سنة 2014 إلى مليون و494 ألفا سنة 2024، بمعدل نمو سنوي بلغ 3.44 في المائة، وهو الأعلى جهويا. وبذلك باتت العمالة تضم 37.1 في المائة من سكان الجهة وأكثر من نصف سكانها الحضريين.
ومع هذا التوسع، ازداد الضغط على السكن والنقل والخدمات، بينما ظلت الأجور الدنيا محكومة بسقف وطني موحد لا يراعي الفوارق في كلفة العيش بين المدن.
ومنذ يناير 2026، ارتفع الحد الأدنى القانوني للأجر في القطاعات غير الفلاحية إلى 17.92 درهما للساعة، بعد زيادة جديدة بنسبة 5 في المائة. وعلى أساس مدة العمل القانونية الشهرية، يعادل ذلك نحو 3430 درهما خاما.
في المقابل، تضع بيانات “نومبيو” المحدثة خلال 2026 متوسط كراء شقة بغرفة واحدة خارج وسط طنجة عند 3100 درهم، ويرتفع الرقم إلى 4670 درهما في المركز. كما تقدر متوسط الراتب الصافي الذي أبلغ عنه المشاركون في قاعدة البيانات بنحو 4828 درهما.
وتظهر بيانات أحدث لسوق الإيجار، مبنية على 1741 إعلانا نشطا حتى 23 غشت، أن السعر الوسيط المطلوب وصل إلى 80 درهما للمتر المربع شهريا. ومع ذلك، تبقى هذه العينة شاملة لأحياء وعقارات متفاوتة، ولا تعكس بالضرورة ما يدفعه أصحاب الدخول المحدودة.
أما الأسعار اليومية، فقد سجلت خلال الأشهر الأخيرة اتجاها أقل ضغطا. إذ انخفض الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك في طنجة خلال يوليوز بنسبة 0.2 في المائة على أساس سنوي، فيما تراجعت أسعار المواد الغذائية 3.1 في المائة مقارنة بيوليوز 2025.
لكن تراجع التضخم لا يعيد الأسعار إلى مستويات السنوات السابقة، لأنه يقيس وتيرة تغيرها بين فترتين ولا يمحو الزيادات التي تراكمت في السكن والغذاء والنقل والخدمات.
ولهذا يبقى السؤال الأهم بالنسبة إلى شاب يعيش من راتبه الشهري هو مقدار ما يتبقى منه بعد دفع الكراء والتنقل والطعام، لا معدل التضخم في حد ذاته.
وعود متفاوتة
أدخل التجمع الوطني للأحرار رقما واضحا إلى هذا النقاش بعدما أعلن رئيسه محمد شوكي، في 4 شتنبر، أن البرنامج الانتخابي للحزب يقترح رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم، إلى جانب إجراءات تتعلق بالقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية.
ويعني رفع الحد الأدنى من نحو 3430 إلى 5000 درهم زيادة تناهز 46 في المائة، أي ما يقارب 1570 درهما إضافيا شهريا.
وبالنسبة إلى شاب يتقاضى الحد الأدنى، يشكل هذا التحسن فارقا ملموسا في الدخل. غير أن متوسط كراء شقة صغيرة خارج وسط المدينة سيظل يستهلك أكثر من 60 في المائة من مبلغ 5000 درهم إذا اختار السكن بمفرده، قبل احتساب بقية النفقات.
ولا يحدد العرض المعلن حتى الآن ما إذا كان بلوغ 5000 درهم سيتم دفعة واحدة أو عبر مراحل. كما أن رفع الحد الأدنى للأجر لا يرتبط بالحكومة وحدها، بل يمر أيضا عبر تفاوض يجمعها بالنقابات وأرباب العمل.
أما التقدم والاشتراكية فيقترح زيادة تشمل الأجور و”السميك” و”السماك” بنسبة 15 في المائة. وباحتساب هذه النسبة على الحد الأدنى الحالي في القطاع غير الفلاحي، يصل الأجر إلى نحو 3940 درهما خاما شهريا.
وتضيف هذه الزيادة نحو 510 دراهم إلى الحد الأدنى الحالي، لكنها تظل محدودة أمام كلفة السكن في طنجة. فإذا ظل متوسط الكراء خارج وسط المدينة عند نحو 3100 درهم، فلن يترك الأجر الجديد سوى هامش ضيق لبقية المصاريف.
ويتحرك الاتحاد الاشتراكي من زاوية مختلفة، إذ يستهدف برنامجه رفع متوسط الأجور بنسبة 20 في المائة، وزيادة الدخل الصافي للأجراء بنسبة 15 في المائة، مع خفض جزء من النفقات التي تتحملها الأسر في الصحة والتعليم.
لكن متوسط الأجر لا يعكس بالضرورة وضع العامل الموجود في أسفل السلم، إذ قد يرتفع نتيجة تحسن رواتب الفئات المتوسطة والعليا من دون أن تتحسن الأجور الدنيا بالنسبة نفسها.
وتهم هذه المسألة الشباب المقبلين حديثا على سوق العمل على وجه الخصوص، لأن جزءا منهم يبدأ بأجور قريبة من الحد الأدنى أو تفوقه بقليل.
في المقابل، يضع الأصالة والمعاصرة ملف الدخل ضمن “ميثاق القدرة الشرائية”، الذي يرصد له الحزب 150 مليار درهم خلال الولاية المقبلة، إلى جانب “ميثاق إدماج الشباب” بكلفة معلنة تبلغ 50 مليار درهم ويشمل التعليم والتكوين والشغل والسكن والحركية المهنية.
ويجمع الحزب بين تحسين الدخل وخفض بعض تكاليف المعيشة، مع إجراءات تتعلق بالضرائب والسكن وكراء الشباب.
وبذلك تتوزع المقاربات الحزبية بين رفع الحد الأدنى إلى رقم محدد، وزيادة الأجور بنسبة محددة، وتحسين المتوسط والدخل الصافي، وخفض جزء من تكاليف السكن والخدمات.
لكن القاسم المشترك بينها أن أيا منها لا يقترح حتى الآن حدا أدنى للأجر خاصا بطنجة، ولا يربط مستوى الأجر مباشرة بكلفة العيش داخل كل مدينة.
اختبار التنفيذ
ويظل تحويل هذه الوعود إلى تحسن ملموس في دخل شباب طنجة رهينا بالتنفيذ، لأن الحد الأدنى للأجر يحدد وطنيا، بينما تختلف تكاليف السكن والنقل والخدمات من مدينة إلى أخرى.
فالمبلغ الذي يسمح بحياة مستقلة في مدينة أقل كلفة لا يؤدي الوظيفة نفسها في طنجة، خاصة مع استمرار ارتفاع الطلب على السكن والتنقل داخل مجال حضري يتوسع بسرعة.
كما يرتبط رفع الأجور بقدرة المقاولات على تحمل كلفة إضافية، وبمفاوضات الحكومة مع النقابات وأرباب العمل، في حين يرتبط أثر الزيادة نفسها بمسار الأسعار. فإذا ارتفعت الإيجارات والخدمات بالتوازي مع الأجور، تآكل جزء من المكاسب.
ولهذا لا يكفي قياس البرامج بعدد الدراهم المضافة إلى كشف الأجر، بل بقدرة هذه الزيادة على تحسين الدخل المتبقي بعد تغطية الحاجات الأساسية.
وتزداد حساسية المسألة في طنجة مع استمرار النمو السكاني. فقد أضافت العمالة نحو 429 ألف نسمة خلال عقد واحد، بالتوازي مع توسع الصناعة والخدمات وسوق العمل.
ومع كل زيادة في عدد السكان، يرتفع الطلب على السكن والتنقل، وهما من أكثر البنود ضغطا على ميزانية الشباب في بداية مسارهم المهني.
وعليه، فإن رفع الحد الأدنى إلى 5000 درهم سيقلص الفجوة أكثر من زيادة بنسبة 15 في المائة، بينما يمنح الجمع بين تحسين الأجور وخفض كلفة السكن والنقل والأسعار أثرا أكبر على الدخل الحقيقي.
غير أن تنفيذ هذه الوعود سيظل مرتبطا بالتمويل، والحوار الاجتماعي، وقدرة المقاولات على تحمل كلفة أعلى للعمل.
أما بالنسبة إلى شباب طنجة، فيظل المعيار مباشرا. فالمدينة التي توفر أكثر من 300 ألف وظيفة دائمة داخل مؤسساتها الاقتصادية تحتاج إلى أجر يسمح لمن يعمل فيها بتغطية كلفة العيش، لا إلى وظيفة يستهلك الكراء والنفقات الأساسية الجزء الأكبر من دخلها.







