في فبراير من عام 1684، كانت طنجة تستعد لبدء فصل جديد من تاريخها, بعد أكثر من قرنين من الوجود البرتغالي ثم الإنجليزي، انسحب الإنجليز عبر البحر، ودخل المغاربة مدينة تركها الاحتلال مثقلة بالهدم والفراغ.
كان ذلك في الخامس من فبراير، وهو التاريخ الذي تربطه أغلب الروايات التاريخية بدخول القوات المغربية إلى طنجة، الموافق للأول من ربيع الأول سنة 1095 للهجرة.
يحمل هذا التقاطع بين التاريخين دلالة خاصة. فبعد أيام قليلة من استعادة المدينة، حل الثاني عشر من ربيع الأول، ذكرى المولد النبوي الشريف.
وبذلك عاشت طنجة، على الأرجح، أول احتفال بالمولد بعد عودتها إلى الحكم المغربي، وبعد أكثر من قرنين لم تكن خلالهما هذه المناسبة جزءا من الحياة العامة للمدينة كما كانت في باقي الحواضر المغربية.
كان النصر، في تلك اللحظة، أكبر من مجرد تبدل في السلطة.
حين دخل المغاربة طنجة، لم يجدوا مدينة جاهزة لاستقبالهم. كانت أجزاء واسعة منها قد تعرضت للهدم قبل الانسحاب الإنجليزي، وكانت تحتاج إلى إعادة بناء عاجلة حتى تستعيد دورها كمدينة مأهولة ومحصنة على مدخل المضيق.
وتشير المصادر التاريخية المغربية إلى أن السلطان المولى إسماعيل أمر الفاتحين بالشروع في إعمار المدينة والاستقرار فيها منذ الأيام الأولى. وهكذا تزامنت لحظة الاحتفال بالنصر مع بداية ورشة طويلة لإعادة طنجة إلى الحياة.
كان على الجنود والسكان الجدد أن يصلحوا ما تهدم، وأن يعيدوا تنظيم الأحياء والمرافق والتحصينات، وأن يؤسسوا من جديد حياة دينية واجتماعية انقطعت عن المدينة طوال فترة الاحتلال الأوروبي.
وسط تلك التحولات، جاء المولد النبوي.
كان الثاني عشر من ربيع الأول سنة 1095 للهجرة مختلفا بالنسبة إلى طنجة, للمرة الأولى منذ سقوطها في يد البرتغاليين سنة 1471، تحيي المدينة هذه المناسبة وهي تحت سلطة مغربية.
لا توجد، في المصادر المتداولة، تفاصيل كثيرة تصف شكل الاحتفال في شوارع طنجة في ذلك العام.
لكن تسلسل الأحداث يسمح برسم صورة لمدينة خرجت للتو من واحدة من أطول مراحل الاحتلال في تاريخها، وبدأ سكانها الجدد إعادة بناء المساجد والمنازل والحياة اليومية، بينما تحل مناسبة دينية تحتل مكانة مركزية في الذاكرة المغربية.
كانت الفرحة تحمل معنيين في الوقت نفسه. عودة المدينة إلى المغرب، وعودة طقوس ومناسبات غابت عنها طويلا.
ولهذا يحتفظ مولد سنة 1684 بمكانة مختلفة في تاريخ طنجة. لم يكن مناسبة دينية فحسب، بل جاء في لحظة كانت فيها المدينة تستعيد هويتها السياسية والاجتماعية والدينية.
بعد أكثر من قرنين، عاد الأذان إلى فضاء المدينة، وبدأ إعمارها من جديد، وحل المولد النبوي فيما كان المنتصرون لا يزالون يعيشون أيامهم الأولى داخل أسوارها.
في ذلك العام، التقت ذاكرة النصر بذاكرة المولد في مكان واحد. طنجة التي خرج منها الإنجليز قبل أيام، كانت تحتفل للمرة الأولى منذ قرون بذكرى مولد النبي محمد عليه الصلاة والسلام وهي مدينة مغربية من جديد.







