فرضت قوارب النقل السريع، المعروفة محليا بتسمية “الناركولانشاس”، تحديات أمنية مستجدة على امتداد سواحل جنوب إسبانيا، بعد انتقالها من مجرد وسيلة بحرية لنقل الممنوعات إلى بنية لوجستية متكاملة تدير أنشطة التهريب الدولي للمخدرات، في ظرفية تكثف فيها مدريد مساعيها الدبلوماسية لتعميم حظر استخدام هذه الزوارق ليشمل كافة المجال البحري للاتحاد الأوروبي.
وتعتمد شبكات التهريب المنظمة على هذه الزوارق شبه الصلبة، المجهزة بمحركات عالية الدفع وأنظمة ملاحة متطورة، لتنفيذ عمليات إنزال بحري منتظمة قبالة سواحل مقاطعات قادس ومالقة وهويلفا وألمرية.
وتشكل هذه الوحدات البحرية صلة الوصل الرئيسية لنقل الشحنات نحو شبكات الاستقبال البرية، تمهيدا لتخزينها وإعادة توزيعها لاحقا داخل الأراضي الإسبانية وباقي الدول الأوروبية.
وسجلت المصالح الأمنية الإسبانية، خلال الأسابيع القليلة الماضية، حوادث متفرقة بالشريط الساحلي الجنوبي، أبرزها جنوح قارب شبه صلب بشاطئ “لا باروسا” بمدينة قادس، واستقراره في منطقة مخصصة للاصطياف.
ورغم عدم إفضاء الإجراءات الميدانية إلى حجز شحنات مخدرة أو توقيف مشتبه فيهم بعين المكان، إلا أن الحادث شكل مؤشرا للمصالح المختصة على مساعي شبكات التهريب لاختراق مسارات مأهولة ومصنفة ضمن الفضاءات العامة الخاضعة للمراقبة الاعتيادية.
وتؤكد المعطيات العملياتية الميدانية أن استراتيجية مكافحة “الناركولانشاس” تجاوزت عمليات الاعتراض المباشر في عرض البحر، لتشمل حتمية تفكيك البنيات التحتية الداعمة على اليابسة.
وتتطلب كل عملية تهريب تنسيقا لوجستيا دقيقا، يبتدئ بتوفير المحروقات وينتهي بتأمين قنوات النقل وحماية مسالك التوزيع البرية.
وتمثل شبكات تزويد الزوارق بالوقود في عرض البحر، والتي تحمل محليا تسمية “البيتاكيو”، الهدف التشغيلي الأول لتدخلات الحرس المدني الإسباني والشرطة الوطنية، بالنظر إلى حاجة الزوارق السريعة لكميات ضخمة من المحروقات لتنفيذ الرحلات الطويلة، أو مرافقة قوارب أخرى، أو تأمين مسالك الفرار لتفادي مطاردات خفر السواحل.
ورغم سريان مقتضيات قانونية إسبانية، منذ سنة 2018، تقضي بحظر استخدام الزوارق السريعة وشبه الصلبة في أنشطة التهريب، مع تفعيل إجراءات الحجز التحفظي عليها عند ثبوت استخدامها في أفعال إجرامية، إلا أن استمرار الظاهرة وتطورها دفع وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، في ماي الماضي، إلى مطالبة المفوضية الأوروبية باستصدار قرار للمنع الشامل داخل فضاء الاتحاد الأوروبي.
وتروم هذه الخطوة تضييق الخناق على الأنشطة اللوجستية الداعمة، وخاصة عمليات التزويد بالوقود في المياه الدولية، في ظل تغيير الشبكات لمساراتها التكتيكية خارج النطاق الجغرافي الخاضع للسيادة الإسبانية.
وفي سياق التدابير المؤسساتية، تستمر منطقة حقل جبل طارق في تصدر الاستراتيجية الأمنية لوزارة الداخلية الإسبانية لمكافحة الجريمة المنظمة.
وبرسم ميزانية سنة 2026، خصصت الوزارة غلافا ماليا يناهز 38,2 مليون أورو لتمويل “الخطة الأمنية الخامسة”، الممتدة من فاتح يناير 2026 إلى متم دجنبر 2027.
وتستهدف الخطة الرفع من الجاهزية العملياتية للشرطة الوطنية الإسبانية والحرس المدني، عبر إرساء معدات تقنية ولوجستية إضافية وتغطية ست مقاطعات أندلسية (قادس، مالقة، هويلفا، غرناطة، ألمرية، وإشبيلية)، استجابة لتمدد نشاط المهربين خارج نقاط الإنزال المعتادة.
وتفيد الإحصائيات الرسمية المحينة لوزارة الداخلية بأن العمليات المنجزة ضمن خطط حقل جبل طارق، منذ إطلاقها في يوليوز 2018 وإلى غاية متم دجنبر 2025، أسفرت عن تنفيذ 47.862 تدخلا أمنيا، مع إحالة 33.463 مسطرة على أنظار النيابة العامة المختصة.
ومكنت هذه التدخلات من توقيف وإخضاع 31.335 شخصا للبحث التمهيدي، وحجز ما يفوق مليونين و179 ألف كيلوغرام من المخدرات، شملت مخدر الشيرا والكوكايين والماريجوانا.
وتضمنت المحجوزات أيضا 1884 قطعة سلاح ناري، ومبالغ مالية تجاوزت 124 مليون أورو، فضلا عن مصادرة 9728 مركبة، ضمنها 2068 وحدة بحرية، وأكثر من مليونين و146 ألف لتر من المحروقات.
وتخلص تقارير المصالح الأمنية إلى أن شبكات التهريب راكمت قدرات عالية للتكيف مع التدابير الزجرية، عبر إحداث مسارات بديلة وتطوير آليات دعم لوجستي أقل إثارة للانتباه، مما أفرز اقتصادا إجراميا محليا يوفر السيولة المالية ومهام المراقبة لشبكات تنشط بين البحر واليابسة.
وتشير التقييمات الأمنية إلى أن تنامي هذه الظاهرة يطرح تحديات إضافية تزامنا مع فصل الصيف وتسجيل توافد مكثف للمصطافين على سواحل الأندلس، مما يرفع من مخاطر التماس المباشر بين الأنشطة الترفيهية وحركية الجريمة المنظمة بالشواطئ.
وأمام هذا الوضع الميداني المتشابك، الذي تتداخل فيه الإجراءات القانونية الصارمة والخطط الأمنية المستحدثة مع المطالب الدبلوماسية لبلورة رد أوروبي مشترك، تصنف المصالح المختصة نشاط “الناركولانشاس” كمنظومة تحاول فرض سلطة أمر واقع ومجال نفوذ موازٍ على امتداد الشريط الساحلي لجنوب إسبانيا.







