في قرى جبالة بشمال المغرب، لا يمر السابع من يوليوز كأي يوم عادي. مع بزوغ الصباح، تتجه أسر من دواوير الجبل نحو العيون والوديان ومجاري الماء، لإحياء طقس قديم يعرف محليا باسم “العنصرة” أو “العنصر”، وهو موعد صيفي ظل حاضرا في الذاكرة الجماعية رغم تراجع كثير من مظاهره.
يرتبط هذا الطقس بالتقويم الفلاحي وبمرحلة دقيقة من السنة الزراعية. فالعنصرة توافق، بحسب الذاكرة الفلاحية، يوم 24 يونيو الفلاحي، الموافق للسابع من يوليوز في التقويم الميلادي، وتأتي في قلب الصيف، بعد موسم الحصاد، وقبل اشتداد “السمايم” التي ترتفع فيها الحرارة ويزداد معها قلق الفلاح على الغلة والماء والماشية.
في المخيال الجبلي، لا يحمل الماء في هذا اليوم معنى الاستحمام فقط. إنه رمز للنقاء والتجدد وطلب البركة. لذلك يقصد الناس العيون والأنهار، وأحيانا البحر في بادية تطوان، حيث تقضي عائلات اليوم في الاغتسال والجلوس قرب الماء، في مشهد يجمع بين الراحة والاحتفال واستعادة الصلة بالطبيعة. وتشير شهادات تراثية إلى أن سكان بادية تطوان، وهم من جبالة، كانوا يتوجهون صباح العنصرة إلى الساحل، ويمضون اليوم في الاستحمام الجماعي والاحتفال.
ولا تنفصل العنصرة عن حياة الفلاح. فالطقس ولد من علاقة مباشرة بالأرض. بعد أشهر من الحرث والبذر والانتظار والحصاد، يأتي هذا اليوم كإعلان رمزي عن اكتمال دورة فلاحية، وعن بداية مرحلة حفظ الحبوب والثمار من التلف. لذلك ارتبطت العنصرة في مناطق مغربية عدة بفكرة نضج الغلة وبلوغ الحبوب درجة من اليبس تسمح بتخزينها دون أن يصيبها السوس.
وتحضر النار إلى جانب الماء في بعض القرى. كانت أسر تشعل ما يعرف بـ”الشعالة” أو نيران الفرح، ويصعد الدخان قرب البيوت والأشجار والمواشي. في التصور الشعبي، يحمل هذا الدخان معنى الوقاية والبركة، ويعلن انتقال الناس من عناء الموسم إلى فسحة قصيرة من الفرح الجماعي.
أما الطعام، فيشكل جزءا من الذاكرة نفسها. في بعض قبائل الشمال، يحضر الكسكس أو خبز مصنوع من محصول الموسم الجديد، في إشارة إلى ارتباط المناسبة بالغلة وبفرح الفلاح بما جادت به الأرض. وتذكر مصادر في التراث الشعبي أن “طعام العنصرة” كان يكمل طقسي الماء والنار، ويمنح اليوم بعدا عائليا وجماعيا.
في قبائل جبالة، ظل هذا الطقس أكثر من عادة موسمية. إنه مناسبة لاستعادة علاقة قديمة بين الإنسان والماء والجبل. فالعائلات لا تذهب إلى العيون فقط للترويح عن النفس، بل تعود إلى أماكن تعرفها منذ الطفولة. هناك، تحت ظل التين والدفلى، يتبادل الناس الطعام والكلام والذكريات، وتتحول الطبيعة إلى فضاء مفتوح للقاء.
غير أن العنصرة اليوم لم تعد تحضر بالقوة نفسها. الهجرة القروية، وتغير أنماط العيش، وتراجع الارتباط اليومي بالأرض، جعلت الطقس يختصر أحيانا في خرجات عائلية محدودة. ومع ذلك، ما زال السابع من يوليوز يحتفظ بمعناه في عدد من القرى الجبلية، خصوصا لدى كبار السن الذين يرون فيه جزءا من هوية لا ينبغي أن تضيع.
وتطرح العنصرة اليوم سؤال حماية التراث اللامادي المحلي. فالطقس لا يحتاج إلى تحويله إلى فرجة تجارية، بل إلى توثيق دقيق، وإدماج واع في الذاكرة الثقافية للمنطقة، حتى يبقى شاهدا على نمط عيش جبلي صنعته الأرض والماء والعمل الجماعي.
في زمن تتراجع فيه العادات القديمة أمام إيقاع الحياة الحديثة، تظل العنصرة عند جبالة علامة على قدرة الذاكرة الشعبية على المقاومة. يوم واحد في السنة يكفي ليذكر الناس بأن الماء لم يكن موردا فقط، بل كان لغة للبركة، وموعدا مع الأرض، وجسرا بين الأجيال.







