تحت شمس الصيف اللاسعة، وقبل أن تلامس أقدام الأسر المغربية رمال شواطئ الشمال، تبدأ حرارة العطلة بالارتفاع من شاشات الهواتف المحمولة. هناك، تقفز أسعار الشقق الموسمية غير المصنفة إلى مستويات فلكية، محولة حلم الاستجمام لأيام قليلة إلى عبء مالي يبتلع القسم الأكبر من مدخرات السنة.
وعلى امتداد الشريط الساحلي، من القصر الصغير وقصر المجاز إلى المضيق والفنيدق ومرتيل وواد لاو، يتكرر المشهد ذاته؛ عائلات تفر من صخب المدن الكبرى بحثا عن زرقة المتوسط، لتصطدم بواقع يومي مرير تتشابك فيه فواتير السكن الباهظة مع غلاء الطعام وعشوائية مواقف السيارات.
وسط هذه الزحمة، لخص مواطن مغربي مرارة التجربة واصفا معاناة البحث عن مأوى. يتحدث الرجل في دردشة لجريدة طنجة 24 بامتعاض عن شقق “عادية جدا، وبعضها لا يتوفر حتى على مقومات الراحة”، تعرض بأسعار تلامس ألف درهم لليلة الواحدة.
وبنبرة لا تخلو من سخرية، يوضح أن التجهيزات في الغالب لا تتعدى “أفرشة إسفنجية وأثاثا بلاستيكيا بسيطا”، معتبرا أن هذه الكلفة توازي، وربما تفوق، تسعيرة الإقامة في منتجعات سياحية في جنوب إسبانيا.
وتزداد وطأة هذا الاستغلال حين يواجه المصطافون المنهكون من وعثاء السفر بمنطق الوسطاء الحاسم: “هذا هو الموجود في الصيف، ومن لم يعجبه السعر فليبحث عن مكان آخر”.
سماسرة يلتهمون العطلة
وخلف هذه الفوضى العارمة، تختفي البيانات الرسمية التي تحدد متوسط أسعار الكراء الموسمي بهذه البلدات الساحلية، إذ يدار هذا القطاع الموازي بالكامل خارج مؤسسات الإيواء السياحي المصنفة.
لكن الأرقام المتوفرة حول القطاع المهيكل تكشف بوضوح حجم الضغط الهائل الذي يرزح تحته الشمال. ففي الأشهر الثلاثة الأولى من سنة 2026، وقبل حلول ذروة الصيف، سجلت المؤسسات المصنفة بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة نحو 654 ألف ليلة مبيت، محققة معدل ملء بلغ 36 في المئة، ومستحوذة على حصة تقارب سبعة في المئة من الإجمالي الوطني.
وقد التهمت طنجة وحدها حصة الأسد بأكثر من 417 ألف ليلة، تاركة الفتات لتتوزع بين تطوان والمضيق والفنيدق وشفشاون والحسيمة والعرائش.
هذا التفاوت الصارخ يجد تفسيره في خريطة البنية التحتية السياحية. فالجهة التي تفرد جناحيها على 447 كيلومترا من السواحل المتوسطية والأطلسية، لا تتوفر سوى على قرابة 360 مؤسسة إيواء مصنفة بطاقة 37 ألف سرير، وفق بيانات الأسبوع الجهوي للاستثمار لسنة 2025.
وتتكدس هذه الطاقة في عمالة المضيق-الفنيدق بحوالي 5590 سريرا، وشفشاون بـ2721 سريرا، وتطوان بـ2236 سريرا، بينما يعاني إقليم الفحص-أنجرة، حيث تقع شواطئ القصر الصغير وقصر المجاز المكتظة، من عجز حاد لا يغطيه سوى 1384 سريرا، مما يجعل المنازل العادية تتحول بين عشية وضحاها، وخصوصا في عطلات نهاية الأسبوع، إلى وحدات إيواء تخضع لمزاج المالك والوسيط أكثر من خضوعها لمعايير الجودة.
الغلاء يطارد المصطافين
بمجرد تأمين السكن، تبدأ جولة جديدة من الاستنزاف في الأسواق والمحال المحاذية للشاطئ. يصف مواطن قادم من مدينة مكناس كيف تتضاعف أسعار المنتجات المحلية البسيطة كالتين والبصل لتصبح “كأنها مستوردة من الخارج”، متسائلا باستنكار عما إذا كان البعض “يريد جمع ثمن المنازل والسيارات خلال شهرين فقط”.
وهنا، تبرز مفارقة غريبة مع الأرقام الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط، التي سجلت في ماي 2026 انخفاضا في الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك بنسبة 1,2 في المئة بطنجة والحسيمة، وبـ0,7 في المئة بتطوان، تزامنا مع تراجع أسعار المواد الغذائية وطنيا بـ2,1 في المئة.
غير أن هذا المؤشر العام، الذي يقيس نبض الأسواق الكبرى، يعجز عن رصد “التضخم الميكرو-موضعي” الذي يشوي جيوب المصطافين في المطاعم الشاطئية والشقق المفروشة.
في تلك المقاهي والمطاعم المكتظة بروائح البحر، تتغير قوائم الطعام مع تبدل الفصول. وتقفز أثمان وجبات شعبية بسيطة، مثل طاجين السمك والسردين المشوي والبيصارة والسندويتشات، إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف.
يشتكي الزوار من أن المشكلة لا تقتصر على السعر الملتهب، بل تمتد لانعدام الجودة، حيث تؤكد الشهادات أن بعض الأطباق “لا تستحق حتى ربع السعر المطلوب”، وسط غياب تام لإحصاءات جهوية تقارن الأسعار، وندرة تقارير السلطات المحلية حول حصيلة لجان المراقبة ومدى احترام إلزامية إشهار الأثمان.
مواقف تفرض الإتاوات
ولم تسلم حتى أرصفة الشوارع من هذا الاستنزاف. فمجرد محاولة ركن السيارة تتحول إلى كابوس يومي، حيث يبرز أشخاص يفرضون إتاوات تتراوح بين عشرين وثلاثين درهما، لا سيما يومي السبت والأحد.
يروي المصطافون كيف يجدون أنفسهم يدفعون مقابل كل شيء “بالإكراه”، لتتحول كلفة يوم واحد من الاستجمام إلى عداد متراكم يبدأ بالكراء، يمر بالطعام والركن، ولا ينتهي عند تكاليف الوقود والتنقل.
وعلى الرغم من أن الجهة تسابق الزمن لتعزيز ترسانتها السياحية بـ53 مشروعا جديدا يتوقع أن تضخ 3155 غرفة و7079 سريرا إضافيا، إلا أن الرهان الحقيقي يظل خارج أسوار الفنادق الفخمة.
فهذه الصناعة تعيش بالأساس على سوق محلية ضخمة تتجاوز أربعة ملايين نسمة بالجهة، منهم 2,64 مليون بالوسط الحضري، مضافا إليهم جحافل الوافدين من الدار البيضاء والرباط وفاس ومكناس ومغاربة العالم.
وأمام استمرار حمى الأسعار وتدني الخدمات غير المهيكلة، تتعالى أصوات التحذير من أن هذه النظرة الربحية الضيقة والمؤقتة تدفع الأسر المغربية، بشكل متزايد، نحو عقد مقارنات موجعة مع كلفة العطل في إسبانيا أو تركيا، حيث “يعرف المواطن كم سيدفع وماذا سيحصل عليه مقابل ماله”.







