قبل أن تصبح الرحلة مسألة بحر، تكون أولا مسألة سيارات. آلاف الكيلومترات قطعتها أسر مغربية عبر فرنسا وإسبانيا، بحقائب تكفي لأسابيع ومؤن، قبل الوصول إلى آخر محطة أوروبية في رحلة الصيف نحو المغرب.
وعند بوابات الموانئ الجنوبية لإسبانيا، يتغير إيقاع السفر: السيارة التي حملت الأسرة عبر القارة ستدخل بطن السفينة، فيما يصعد ركابها إلى الطوابق العليا.
في صيف 2026، برمجت “باليريا” 12 سفينة على ثمانية خطوط بين إسبانيا وشمال إفريقيا، بوتيرة تصل إلى 37 رحلة يوميا.
وعلى أقصر المسافات، بين طريفة وطنجة، تنطلق 12 رحلة خلال اليوم الواحد، مع كثافة مماثلة بين الجزيرة الخضراء وطنجة المتوسط.
وخلال حملة 2025، قارب عدد مستخدمي خطوط الشركة نحو المغرب مليون مسافر، مقارنة بعبور 700 ألف شخص و170 ألف سيارة خلال ثلاثة أشهر في 2024.
تفرض الإدارة اللوجستية لهذا التدفق حضور المسافرين قبل خمس ساعات من الإبحار. عند نقطة الإركاب، يُفصل السائق عن باقي أفراد الأسرة لتوجيه مركبته نحو الطوابق السفلية، ويُغلق المرأب بمجرد توزيع السيارات، ليُمنع الوصول إليها حتى نهاية الرحلة.
تتباين مواصفات الأسطول تبعا للخط الزمني للمسار. فبين طريفة وطنجة، حيث يستغرق العبور نحو ساعة، تعمل سفن سريعة مثل “Avemar D” (بطول 82 مترا، سرعة 34 عقدة، وطاقة استيعابية تبلغ 855 راكبا و174 سيارة).
أما على محور الجزيرة الخضراء-طنجة المتوسط، فتُوظف سفينة “Nápoles” (بطول 186 مترا، وسعة 1600 شخص و481 مركبة).
وتصل القياسات أقصاها مع سفن مثل “Visborg” القادرة على حمل 1650 راكبا و600 سيارة، و”Almariya”، الملتحقة بالأسطول في يوليوز، بسعة 2000 شخص و400 مركبة.
على الخطوط الطويلة، كمسار ألميريا-الناظور الذي يتجاوز سبع ساعات، يتغير التكوين الداخلي للسفن لدمج مقصورات، أسِرة، مطاعم، ومقاهي.
فعلى متن “Martín i Soler”، تُخصص مساحات للمتاجر والتراسات ومسبح خارجي، إلى جانب توفير مقصورات بحمامات خاصة، وفضاءات مجهزة لاستقبال الحيوانات الأليفة.
ويُكيَّف العرض الداخلي للرحلات المتجهة نحو المغرب مع تركيبة الركاب القادمين من دول أوروبية متعددة. تشمل الخدمات توفير الطعام الحلال، تخصيص فضاءات للصلاة، ودمج أطقم تتحدث العربية والفرنسية إلى جانب الإسبانية.
تطلبت هذه التعبئة في صيف 2025 توظيف 200 عامل إضافي لتعزيز فرق جنوب إسبانيا وشمال المغرب، نصفهم من المغاربة، لتغطية مهام الإركاب، النظافة، التموين، وخدمة الزبناء.
رقميا، تتيح السفن المصنفة “ذكية” ولوج المسافرين إلى منصات الترفيه عبر هواتفهم، وتوفر أنظمة لمراقبة الحيوانات الأليفة في الفضاءات المخصصة لها من خلال كاميرات مدمجة يمكن متابعتها عبر شاشات الهواتف.
على اليابسة، يتتبع “برج مراقبة الأسطول” التابع للشركة حركة السفن، سرعتها، مدى التزامها بالجداول الزمنية، واستهلاكها للطاقة عبر بيانات تُبث في الزمن الحقيقي، لتوجيه القرارات التشغيلية للربابنة ورؤساء الآلات.
أما على المستوى السيادي، فتُدمج الإجراءات الحدودية ضمن مسار العبور. يتم استكمال استمارات الدخول وختم الجوازات من قبل عناصر الشرطة المغربية المتواجدين على متن السفن قبل رسوها في الموانئ المغربية.
بمجرد الرسو، يُعاد فتح المرأب ليغادر الركاب بمركباتهم. تتفرغ السفينة في وقت وجيز، لتبدأ على الرصيف دورة شحن جديدة لرحلة عودة.
خلال ثلاثة أشهر، تتحول هذه الشبكة المنتظمة للنقل إلى آلية لوجستية لامتصاص موجة بشرية مكثفة تتحرك في اتجاه واحد، قبل أن تعكس مسارها تماما مع اقتراب نهاية الصيف.







