تنتهي الطريق المعبدة على بعد كيلومترات قليلة جنوب أصيلة، لتفسح المجال لمسلك ترابي ينحدر بين التلال والحقول نحو المحيط الأطلسي، حيث يمتد شاطئ “سيدي مغايث” أسفل المرتفعات، بعيدا عن صخب الواجهات السياحية المكتظة للمدينة.
في هذا الفضاء التابع لجماعة الساحل الشمالي، يكسر الصيف عزلة المكان المعتادة. وتتوالى السيارات منذ الصباح، وتنصب العائلات مظلاتها على الرمال، لتوقظ حركة المصطافين القادمين من طنجة وأصيلة ساحلا محاطا بالأراضي الفلاحية والدواوير المتناثرة.
ولا تخلو الرحلة إلى سيدي مغايث من مشقة يلتقطها الزوار سريعا. يصف حميد، أحد مرتادي الشاطئ، الطريق المؤدية إليه بأنها متعرجة وفيها منعطفات تحتاج إلى الحذر، قبل أن يصف المكان نفسه بأنه “شاطئ جميل” يقع جنوب أصيلة.
وفي يناير الماضي، اشتكى سائح هولندي أقام قرب الشاطئ من الطريق الموحلة وغير المكتملة، رغم إشادته بهدوء المنطقة وجودة الاستقبال.
ويستمد الشاطئ اسمه من ضريح ولي صالح يقع بمحاذاته. ورغم غياب مصادر مكتوبة تفصل سيرة “سيدي مغايث” والفترة التي عاش فيها، حافظ الضريح على حضور الاسم في الذاكرة المحلية، في مكان كان معروفا أساسا لدى أهالي المداشر المجاورة قبل أن تتسع شهرته ويتحول تدريجيا إلى وجهة صيفية يقصدها زوار من خارج المنطقة.
وتحضر هذه الذاكرة بقوة لدى من عرفوا المنطقة قبل اتساع شهرتها. فبعد عرض الفيلم الوثائقي “هرقل ضد هيرمس”، الذي صور حياة أسرة المقتيري المقيمة بمحاذاة الشاطئ، كتب أحد مشاهديه مستعيدا علاقته بالمكان: “شحال خيمت فدمينة وشحال بحرت فسيدي مغيت”. وهي عبارة تختصر زمنا ارتبط فيه الشاطئ لدى كثيرين بالتخييم والدواوير المجاورة أكثر مما ارتبط بالعرض السياحي الحالي.
وبخلاف شواطئ أصيلة المحاذية للتجمعات السكنية، يفرض سيدي مغايث على زواره رحلة قصيرة عبر تضاريس المنطقة قبل بلوغ البحر. فلا كورنيش يمتد بمحاذاة الرمال، ولا سلسلة من المقاهي والفنادق، بينما تظل التلال والحقول والمسلك الترابي جزءا من صورة المكان.
لكن المشهد يتغير خلال شهري يوليوز وغشت. فعلى الرمال تنشط مطاعم وبسطات وخدمات موسمية ترتبط مباشرة بحركة المصطافين، فيما تتحول عطلات نهاية الأسبوع إلى ذروة موسم قصير ينتظره عدد من أبناء المنطقة.
وهذا الارتباط بين الصيف والرزق ليس جديدا على سيدي مغايث. فالفيلم الوثائقي “هرقل ضد هيرمس”، المنجز سنة 2012، وثق حياة أسرة المقتيري التي كانت تعيش من الفلاحة والصيد وتربية الماشية، إلى جانب مداخيل “براكة” تقيمها كل صيف على الشاطئ لبيع الطعام للمصطافين.
كما روى مخرج الفيلم محمد أولاد أنه كان يقيم مع أسرته كل صيف عند “براكة هرقل”، في إشارة إلى ارتباط هذه الأنشطة الموسمية بتاريخ الاصطياف في المكان.
ولا يزال الطعام جزءا من تجربة الزوار. وتقول سائحة إسبانية إنها أحبت الشاطئ “وخاصة الطعام”، بينما تصف مراجعات أخرى السمك الطازج والطواجن التي تقدمها المطاعم الموسمية باعتبارها جزءا من يوم الاصطياف في سيدي مغايث.
ويمثل هذا الرواج بالنسبة إلى أصحاب الأنشطة الموسمية فرصة لتحقيق دخل يرتبط بعدد الزوار وحالة الطقس وطول الموسم الصيفي. كما تمتد الحركة إلى الدواوير القريبة، حيث تنتعش المحلات الصغيرة وخدمات الطعام والإيواء مع تزايد أعداد الباحثين عن شواطئ أقل ازدحاما.
ومع اتساع شهرة سيدي مغايث، بدأت المنطقة تستقبل أنماطا مختلفة من الزوار. فإلى جانب العائلات القادمة لقضاء يوم على الشاطئ، ظهرت خلال السنوات الأخيرة وحدات للإيواء القروي تستقطب زوارا يختارون المكان بسبب هدوئه وبعده عن التجمعات السياحية الكثيفة.
لكن الصورة ليست واحدة لدى الجميع. ففي مقابل من يصفون سيدي مغايث بأنه شاطئ “بري ونظيف وهادئ”، سجل زائر آخر انطباعا مغايرا ووصفه بأنه “مكتظ ومتسخ”.
ويكشف التناقض بين الشهادتين أثر الموسم نفسه، إذ يختلف وجه الشاطئ الهادئ خارج الذروة عن صورته عندما ترتفع أعداد المصطافين خلال الصيف.
ويفرض هذا الإقبال تحديات يومية. فارتفاع أعداد السيارات والمصطافين يرفع كمية النفايات ويزيد الضغط على المرافق والخدمات، خصوصا خلال أيام الذروة، في شاطئ ما زال يحتفظ بطابع بعيد عن التجهيز الحضري الموجود في الشواطئ القريبة من المدن.
وعند المساء تبدأ الحركة في الاتجاه المعاكس. تتوالى السيارات صعودا عبر المسلك الترابي نحو الطريق الرئيسية، وتخفت أصوات المصطافين وتغلق بعض الأنشطة الموسمية، فيما يستعيد الشاطئ والضريح هدوءهما تدريجيا.
وفي صباح اليوم التالي يبدأ المشهد من جديد. مصطافون ينزلون نحو البحر، وأبناء منطقة ينتظرون رزق يوم صيفي آخر، في شاطئ صنعت عزلته جزءا من جاذبيته، بينما تدفعه شهرته المتزايدة ببطء خارج تلك العزلة.







