لم تعد دراسة الخطر الزلزالي في الحسيمة مقتصرة على تحديد مواقع الفوالق أو قياس قوة الهزات المحتملة، إذ انتقلت دراسة علمية حديثة إلى مستوى أكثر تفصيلاً، عبر تصنيف المباني داخل المجال الحضري بحسب درجة هشاشتها، بالجمع بين خصائص البناء والكثافة السكانية وطبيعة التربة والقرب من مرافق التدخل والإنقاذ.
الدراسة، التي تحمل عنوان «Integrating GIS and machine learning for seismic vulnerability mapping in Al Hoceima, Morocco»، نُشرت بمجلة Geohazard Mechanics، وأعدها الباحثون حنان أزور ومحمد منصوم ومروان بنمخلوف وأبو بكر الشعراوي وميمون شوراق.
واعتمد الباحثون على قاعدة تضم 664 مبنى محدداً جغرافياً داخل الحسيمة، وربطوها بـ17 مؤشراً موزعة على خمسة أبعاد: جيولوجي وتقني، وزلزالي، وإنشائي، واجتماعي، ثم قدرة المدينة على الاستجابة.
وشملت المؤشرات عمر المبنى، ومواد البناء، وعدد الطوابق، وكثافة المباني، واستعمالات الأرض، والكثافة السكانية، والارتفاع، وتأثير طبيعة الصخور والتضاريس، والتسارع الأرضي المتوقع، والمسافة عن البؤر الزلزالية والفوالق. كما أُدخلت المسافة عن المستشفيات ومراكز الشرطة والإطفاء ومحطات الوقود وشبكة الطرق، باعتبار أن الهشاشة لا تتعلق بصلابة البناء وحدها، بل أيضاً بسرعة الوصول إلى المتضررين وإمكان إخلائهم.
وقارن الباحثون أربعة نماذج للتعلم الآلي هي الغابة العشوائية وXGBoost وآلة المتجهات الداعمة والشبكة العصبية الاصطناعية، بعد تخصيص 70% من البيانات للتدريب و30% لاختبار النتائج.
وكشفت النماذج الأربعة تقارباً لافتاً في تقدير حجم الهشاشة. فقد صنف نموذج الغابة العشوائية 26% من المباني في درجة هشاشة مرتفعة و18% في درجة مرتفعة جداً، أي 44% من مجموع المباني المصنفة. وبلغت النسبة المجمعة 45% في نموذج XGBoost، و42% في الشبكة العصبية، و41% في نموذج آلة المتجهات الداعمة.
ولا تعني هذه النسب أن المباني ستنهار عند حدوث زلزال، بل إنها تجمع عدداً أكبر من العوامل التي قد تزيد الخسائر مقارنة بالمباني المصنفة في الدرجات المنخفضة.
وأظهر نموذج الغابة العشوائية أفضل أداء بين النماذج المختبرة، بدقة بلغت 94%، ودقة تنبؤية قدرها 94.6%، واسترجاع بلغ 94.5%، فيما وصل مؤشر المساحة تحت منحنى ROC إلى 0.98. وجاء بعده نموذج XGBoost بدقة 92%، ثم الشبكة العصبية بـ90%، وآلة المتجهات الداعمة بـ87%.
لكن هذه النتائج تعبر عن قدرة النماذج على تصنيف بيانات الدراسة، ولا تعني أن درجة هشاشة كل مبنى أصبحت محسومة من دون معاينة هندسية ميدانية.
وتكشف خريطة أهمية المتغيرات أن الكثافة السكانية كانت العامل الأكثر تأثيراً في نموذج الغابة العشوائية، بدرجة أهمية بلغت 0.684، متقدمة على المسافة من البؤرة الزلزالية بـ0.536، والتسارع الأرضي المتوقع بـ0.488، والمسافة عن مراكز الإطفاء بـ0.460، وتأثير طبيعة الصخور بـ0.447، ثم عمر المباني بـ0.347.
وتعني هذه النتيجة أن المشكلة لا تختزل في المباني القديمة وحدها؛ فقد ترتفع الهشاشة عندما تتزامن الكثافة السكانية مع صعوبة وصول فرق الإنقاذ أو مع ظروف جيولوجية وزلزالية غير ملائمة.
ومكانياً، أظهرت النماذج تجمع مناطق الهشاشة الأعلى في أجزاء من الشمال الشرقي والجنوب الشرقي ووسط المجال الحضري للحسيمة. ولم تسمِّ الدراسة الأحياء بشكل يسمح بإسناد درجة محددة إليها صحفياً، ما يجعل الحصول على الطبقات الرقمية الأصلية والتحقق منها ميدانياً ضرورياً قبل ترتيب الأحياء أو المرافق العمومية بحسب الخطر.
وتتيح الخريطة، إذا جرى اعتمادها وتحديثها، تحديد الأولويات بدل إخضاع المدينة كلها للتدخل نفسه، بدءاً من فحص المباني الواقعة في الفئتين المرتفعة والمرتفعة جداً، مروراً بتقييم جاهزية المدارس والمستشفيات وطرق الإخلاء، ووصولاً إلى توجيه برامج التدعيم نحو الأماكن التي تجمع بين هشاشة البناء وارتفاع الكثافة وضعف الوصول إلى خدمات الطوارئ.
وتقدم الدراسة بذلك أداة للاستعداد قبل الزلزال، لا وسيلة للتنبؤ بموعده. أما الاختبار العملي لقيمتها، فيكمن في مقارنة خرائطها بواقع المباني والمرافق، ومعرفة ما إذا كانت أولويات التعمير والتدعيم وخطط تدخل الوقاية المدنية تتجه بالفعل إلى المناطق التي حددتها باعتبارها الأكثر هشاشة.







