قرب مدخل عمارة مطلة على الكورنيش، يعيد وسيط عقاري تعليق مفاتيح شقتين في حلقة معدنية. انقضى شهر غشت وغادرت الأسر، لتبدأ منتجعات جهة الشمال انتقالا تدريجيا نحو إيقاع شتنبر الهادئ.
يتوقف الرجل بين حين وآخر لمراقبة السيارات المارة، بينما تبقى أبواب عدد من الشقق التي كان يشرف على كرائها مغلقة.
قبل أيام فقط، لم يكن ينتظر طويلا لإيجاد مستأجر. أما الآن، ومع تراجع كثافة الوافدين، فقد أصبح مضطرا للتفاوض.
ويقول وهو يقلب المفاتيح بين أصابعه: “في غشت كان الزبون يسأل فقط إن كانت هناك شقة متاحة. الآن أصبح يسأل أولا عن السعر”.
ثم يشير إلى إحدى العمارات القريبة ويضيف: “الشقة التي كنت أعرضها بثمانمئة درهم الأسبوع الماضي لن أجد من يأخذها بالسعر نفسه الآن. في شتنبر يكون أمام الزبون وقت أكبر للاختيار والتفاوض”.
ولا يقتصر التغير على سوق الكراء. فعلى امتداد الطريق الساحلية بين مرتيل والمضيق والفنيدق، بدأت بعض علامات الذروة الصيفية في التراجع.
فقد ظهرت طاولات فارغة بين المقاهي، وباتت مواقف السيارات أكثر توافرا بعدما كان العثور عليها يتطلب دورانا طويلا، فيما اتسعت المسافات بين المظلات الشاطئية.
وعند طرف كورنيش مرتيل، تتوقف امرأة رفقة زوجها أمام مقهى قبل أن يواصلا السير بمحاذاة البحر.
تقول هذه الموظفة القادمة من الرباط إنهما تعمدا اختيار الأيام الأولى من شتنبر لقضاء خمسة أيام في المنطقة.
وتوضح وهي تنظر إلى الشاطئ الأقل ازدحاما: “نفضل المجيء بعد نهاية غشت. البحر هو نفسه، لكن الطرق أهدأ والأسعار أقل”.
هذا الفارق هو ما يعيد ترتيب العلاقة بين الزوار والمنتجعات مع انتهاء موسم الذروة. فخلال غشت، دفعت كثافة الطلب أسعار الإقامة الموسمية إلى مستويات استثنائية، متجاوزة ألف درهم لليلة الواحدة في بعض الشقق القريبة من البحر بمرتيل وكابو نيغرو.
وتزامنت هذه الذروة مع توافد أكثر من 3.5 ملايين من المغاربة المقيمين بالخارج على المغرب حتى أواخر غشت، إلى جانب ذروة السياحة الداخلية.
ومع عودة الأسر استعدادا للدخول المدرسي، واستمرار مغادرة مغاربة العالم عبر موانئ الشمال، يبدأ الضغط على الإقامة والمطاعم والخدمات في الانحسار.
على بعد كيلومترات قليلة، يظهر التحول نفسه في المضيق، لكن داخل المقاهي هذه المرة.
يحمل عامل صينية بين صفوف من الطاولات التي لم تعد جميعها مشغولة. يتوقف قرب الواجهة المطلة على البحر، ويشير إلى مقاعد فارغة كان العثور عليها صعبا في النصف الثاني من غشت.
ويقول: “في تلك الفترة كانت الحركة متواصلة طوال اليوم. مع بداية شتنبر يقل عدد الزبائن، لكنهم يجلسون مدة أطول وتصبح الوتيرة أهدأ”.
ولا يعني ذلك أن الموسم انتهى. ويوضح رئيس الجمعية الجهوية لوكالات الأسفار بالدار البيضاء-سطات، عبد الرحيم السوكاني، أن شتنبر يستقطب الموظفين والأزواج الذين لا ترتبط إجازاتهم بالتقويم المدرسي، سعيا وراء الهدوء وتراجع كلفة الإقامة.
ومع انحسار الضغط في مرتيل والمضيق، يمتد الإيقاع الجديد شرقا على طول الشريط الساحلي نحو واد لاو والجبهة والحسيمة، حيث تستعيد هذه المراكز الساحلية جزءا من هدوئها بمجرد مغادرة قسم من السيارات والمصطافين.
وفي هذه المرحلة، تتسع أيضا دائرة الرحلة نفسها. فبدلا من قضاء العطلة كاملة في منتجع ساحلي واحد، يختار بعض الزوار الجمع بين البحر ومدن الداخل، وفي مقدمتها شفشاون.
هناك، لا يرتبط شتنبر بانخفاض كثافة الشواطئ بقدر ما يرتبط باعتدال الحركة وعودة زوار يفضلون التنقل بين الساحل والجبل بعيدا عن ضغط موسم الذروة.
وفي المضيق، يضع زائر خمسيني من مكناس حقيبة صغيرة في صندوق سيارته قبل أن يتجه مع زوجته نحو أحد المطاعم القريبة. يقول إنه تابع الأسعار طوال غشت، لكنه انتظر حتى الأسبوع الأخير قبل أن يحجز.
ويضيف: “أفضل السفر في شتنبر. في غشت تكون العطلة مرتبطة أكثر بالأطفال، أما الآن فأستطيع اختيار المكان والوقت بهدوء أكبر”.
ومع اقتراب المساء، تعود الصورة إلى مرتيل. أمام العمارات القريبة من الكورنيش، ما زال الوسطاء يحملون مفاتيح الشقق، وعلى الشاطئ لا تزال المظلات منصوبة، فيما تحتفظ المقاهي بجزء من زبائنها.
غادرت كتلة الصيف، لكن الحركة لم تنقطع. شتنبر يترك الشقق والمطاعم والمقاهي أمام أسابيع إضافية من النشاط، بزوار أقل عددا وإيقاع أكثر هدوءا.







