في عدد من مقاهي طنجة، لم تعد الطاولات مخصصة للقهوة وأحاديث المساء وحدها. يكفي أن تُقرع الدربوكة، ويلتقط أحد الجالسين إيقاع البندير، حتى تتغير الجلسة. أصوات تلتحق ببعضها، وأغان عمرها أكثر من نصف قرن تعود إلى الواجهة، كأنها وُلدت للتو.
إنها “الظاهرة الغيوانية” التي بدأت تجد لها مكانا جديدا داخل مقاهي المدينة، من خلال سهرات وحفلات تحييها مجموعة «جيل الشمال»، مستعيدة رصيدا موسيقيا ارتبط بذاكرة أجيال من المغاربة.
شباب وكهول يجتمعون حول أغاني ناس الغيوان وجيل جيلالة والمشاهب والسهام. بعضهم يعزف، وآخرون يرددون الكلمات، فيما يتحول زبائن المقهى تدريجيا من متفرجين إلى جزء من الجلسة.
وتقود مجموعة “جيل الشمال” هذه اللقاءات الفنية بأداء يعتمد على الآلات والإيقاعات التي طبعت تجربة المجموعات الغيوانية، في محاولة للحفاظ على روح هذا اللون الموسيقي وتقديمه إلى جمهور جديد داخل فضاء المقهى.
المشهد بسيط. آلات موسيقية محدودة، حلقة صغيرة، وأصوات لا تبحث بالضرورة عن منصة كبيرة أو أضواء. الأغنية هي مركز الجلسة.
“الصينية”، “مهمومة”، “الله يا مولانا” وغيرها من الأعمال التي ارتبطت بذاكرة أجيال من المغاربة تجد طريقها من جديد إلى فضاء مختلف عن المسارح والقاعات الفنية. المقهى هنا يتحول إلى مكان لاستعادة ذاكرة موسيقية جماعية.
ولدت تجربة ناس الغيوان في الحي المحمدي بالدار البيضاء في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، قبل أن تتحول إلى ظاهرة ثقافية امتدت إلى مناطق مختلفة من المغرب. واعتمدت التجربة على التراث الشفهي المغربي والإيقاعات الشعبية والكلمة المرتبطة بقضايا المجتمع، ثم لحقتها مجموعات صنعت ما عُرف لاحقا بـ«ظاهرة المجموعات».
طنجة لم تكن بعيدة عن هذا الإرث. فقد احتضنت المدينة عبر السنوات لقاءات وسهرات شاركت فيها أسماء من جيل جيلالة والمشاهب والسهام ومجموعات محلية مرتبطة بهذا اللون، وسط جمهور ظل وفيا لأغاني تلك المرحلة.
الجديد اليوم هو انتقال هذا الولع إلى المقاهي، حيث تعمل مجموعة «جيل الشمال» على تحويل عدد من أمسياتها إلى لقاءات مفتوحة تجمع الأداء الموسيقي بالتفاعل المباشر مع الجمهور.
في هذه الجلسات يلتقي جيل عاش زمن انتشار الغيوان مع شباب لم يعاصر العربي باطما أو بوجميع، لكنه يحفظ الكلمات ويعيد أداءها بطريقته. الهاتف حاضر للتصوير، ومقاطع الحفلات تنتقل إلى مواقع التواصل، ما يمنح هذه التجربة جمهورا يتجاوز حدود المقهى.
أغنيات ظهرت قبل عقود، في زمن الأسطوانة والشريط، تعود اليوم عبر الهاتف والفيديو القصير.
ويبدو أن جاذبية الغيوان لم تعد مرتبطة بالحنين وحده. كلمات كثيرة تتناول الغربة والهم الاجتماعي والإنسان والحرية وانتظار زمن أفضل، وهي موضوعات يجد فيها المستمع الجديد شيئا من أسئلته الحالية. لذلك لا تبدو الجلسة بالنسبة إلى المشاركين استعادة لأغان قديمة فقط، بل إعادة تقديم لتراث موسيقي ما زال قادرا على جمع أجيال مختلفة.
داخل المقهى تختفي المسافة بين الفنان والجمهور. من يعرف المقطع يغنيه. من يتقن الإيقاع يشارك. ومن لا يعرف يكتفي بالإنصات، قبل أن يجد نفسه بعد دقائق يردد اللازمة مع الآخرين.
وتمنح حفلات “جيل الشمال” هذا الشكل المفتوح مساحة للاستمرار. فلا تحتاج السهرة إلى قاعة كبيرة أو تجهيزات ثقيلة. آلات إيقاعية، أصوات منسجمة، وجمهور يعرف الأغاني تكفي لصناعة ليلة غيوانية.
وتعيد هذه الظاهرة إلى الواجهة سؤال موقع المقهى في الحياة الثقافية لطنجة. فالمدينة التي ارتبطت مقاهيها تاريخيا بالكتاب والفنانين والنقاشات العامة، تشهد اليوم عودة شكل آخر من اللقاءات، يقوم على الموسيقى والذاكرة الشعبية.
بين فناجين القهوة وإيقاع البندير، تجد أغاني الغيوان مسرحا جديدا في طنجة، فيما تمنحها مجموعة «جيل الشمال» حياة أخرى أمام جمهور يجمع بين من عاش زمنها ومن يكتشفها اليوم.
طاولة في مقهى تكفي، ثم تبدأ الحكاية.







