قبل بلوغ مبنى “سوق القرب” بحومة الحداد في مدينة طنجة، تسبق الروائح المنبعثة من بقايا الخضروات والنفايات العضوية خطى المارة. هنا، تحول مشروع كلف ملايين الدراهم لتنظيم التجارة غير المهيكلة، إلى نقطة اختناق مروري وبيئي مفتوح على مدار الساعة.
على طول مقطع شارع عائشة المسافر المحاذي للسوق، تتداخل أكياس السلع وصناديق الفواكه مع حركة سير بطيئة.
ومع حلول أيام ذروة التسوق، يتجاوز النشاط التجاري أسوار المرفق ليمتد إلى الرصيف والشارع العام، مجبرا الراجلين والسيارات على التقاسم القسري لممر يضيق تدريجيا.
يقول محمد (45 عاما)، وهو سائق سيارة أجرة اعتاد المرور من المنطقة، بنبرة متذمرة: “عبور هذا الشارع يتطلب صبرا استثنائيا. تحولت الطريق إلى امتداد للسوق، ويكفي توقف عربة مجرورة واحدة لتفريغ السلع حتى يتوقف السير تماما وتتشكل طوابير طويلة”.
ولا يعد هذا المشهد طارئا أو وليد اللحظة في مقاطعة بني مكادة، الأكبر كثافة سكانية في المدينة.
ففي مطلع عام 2018، رحلت السلطات المحلية المئات من الباعة الجائلين من محيط حومة الحداد إلى أسواق قرب شيدت خصيصا لاحتوائهم، مثل “ظهر القنفوذ” و”ظهر الجعيدي القصيبات”، ضمن خطة واسعة لتحرير الملك العمومي.
لكن استدامة هذه الحلول تصطدم بواقع ميداني ومرونة اقتصاد الظل. يبرر عبد السلام (30 عاما)، وهو بائع خضراوات يعرض سلعته على عربة مدفوعة بالشارع، عودته قائلا: “الأسواق المحدثة لم توفر لنا الحركية التجارية المطلوبة ولا تستقطب زبائن كافين. التواجد في الشارع العام يضمن لنا دخلا يوميا، رغم أننا نعيش في حالة فرار دائم من حملات الإخلاء”.
وفي غشت 2025، نفذت السلطات تدخلا واسعا لإخلاء الأزقة المجاورة لشارع عائشة المسافر من البسطات، بعد تحول المنطقة إلى بؤرة تعرقل حركة السير كليا.
غير أن دورة الإخلاء والعودة تستمر كحلقة مفرغة، حيث تتقدم العربات نحو الإسفلت كلما تراجع مستوى المراقبة.
وإلى جانب الاكتظاظ، تبرز إشكالية النظافة كطبقة أخرى للأزمة. فالمنطقة تتعامل يوميا مع أطنان من المخلفات العضوية التي تتكدس في محيط المرفق.
وهو وضع سبق أن بلغ قبة البرلمان المغربي عام 2022، عبر سؤال نبه لغياب شروط السلامة الصحية، مطالبا بحماية المستهلكين.
يعلق أحد سكان الحي، فضل عدم ذكر اسمه، أثناء مراقبته لحركة السوق: “المقاربة الأمنية لتحرير الشوارع أثبتت محدوديتها. مشروع السوق رصدت له سبعة ملايين درهم لضمان استقرار أكثر من 350 تاجرا وتحسين المشهد الحضري، لكن التخطيط لم يواكب النمو الديمغرافي وتزايد أعداد الوافدين الجدد على التجارة غير المهيكلة”.
ومع تراجع الحركة في ساعات المساء، تستعيد السيارات جزءا من مساحتها في الشارع.
غير أن آثار اليوم التجاري تبقى حاضرة بقوة؛ مخلفات متناثرة وروائح عالقة في الأرجاء، في انتظار شروق شمس اليوم الموالي، لتبدأ الدورة ذاتها من جديد.







