بينما كان الملك الإسباني فيليبي السادس وزوجته ليتيثيا يتنقلان بين شوارع سبتة المحتلة وسط الحشود والأعلام الإسبانية، الثلاثاء، كان آلاف المهاجرين الذين عاشوا طوال أسابيع على شواطئ المدينة قد اختفوا من الأماكن التي شملتها الزيارة، بعد سلسلة عمليات إخلاء نفذتها السلطات الإسبانية، ووثقت صحيفة “لوموند” الفرنسية مشاهدها وتداعياتها الإنسانية.
ولم يصادف العاهل الإسباني وزوجته أي مهاجر في وضعية غير نظامية طوال الزيارة، وفق ما أكده مراسل الصحيفة غيوم دولاكروا، الذي تتبع عمليات إخلاء الشواطئ والساحات، وانتقال المهاجرين إلى مخيمات بعيدة عن الأنظار، أو إلى أحياء هامشية لم تشملها جولة الملك.
وفي تحقيق ميداني نشرته عشية غداة الزيارة، تحت عنوان يشير إلى اختفاء المهاجرين من المشهد في توقيت ملائم لاستقبال الملك والملكة، وصفت “لوموند” كيف استعادت شواطئ سبتة مظهرها المعتاد على نحو مفاجئ، بعدما ظلت لعشرة أسابيع مأوى لآلاف المهاجرين المغاربة والجزائريين والتونسيين والمنحدرين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء.
وكان آخر مشاهد الإخلاء قد جرى الأحد، قبل وصول الملك بيومين، عندما انتشر نحو 350 عنصرا من الشرطة والجيش والحرس المدني الإسباني في ساحة “غوانو”، قرب شاطئ “ترامبولين”، لإجلاء نحو 500 مهاجر كانوا يقيمون في مساكن بدائية أقاموها من الكرتون والخيزران والأغطية البلاستيكية.
وبعد مغادرة المهاجرين، دخلت الجرافات لإزالة بقايا المخيم، واختفت الأكشاك الصغيرة التي كانوا يبيعون فيها الطعام والملابس والسجائر، وفككت المرافق الصحية المؤقتة، فيما تولت فرق التنظيف تسوية الرمال وإزالة آثار الإقامة الطويلة على الشاطئ.
ولم تكن العملية معزولة، إذ كشفت الصحيفة أن السلطات الإسبانية شرعت منذ 27 شتنبر في تفريغ المواقع التي تجمع فيها المهاجرون، بدءا بمحيط محطة تحلية مياه البحر، مرورا بشاطئ “بينيتث”، ثم “ترامبولين”، وصولا إلى آخر التجمعات التي جرى إخلاؤها قبل الزيارة الملكية.
وتتبعت “لوموند” وجهة المهاجرين الذين اختفوا من الشواطئ، لتجد أن بعضهم نقل إلى مركز استقبال في الميناء، يقع خلف صف من معارض السيارات، بينما انتهى آخرون داخل مخيم أقيم على أرض عسكرية، حيث تنتصب خيام بيضاء طويلة تحجبها عن الطريق أسوار مرتفعة من القماش الأخضر.
وفي حالات أخرى، نقلت الحافلات المهاجرين إلى معبر تاراخال، حيث وضعتهم الشرطة الإسبانية أمام خيار التسجيل في منظومة الاستقبال والإيواء أو العودة إلى المغرب سيرا على الأقدام.
لكن اختفاء المهاجرين من الأماكن التي جرى تهيئتها لاستقبال الملك لم ينه وجودهم في المدينة. فقد عثر مراسل الصحيفة على مئات منهم في شوارع حي البرينسيبي ولوس روساليس، قرب مسجد سيدي مبارك، بعيدا عن المسارات الملكية.
وكان بعضهم يدفع عشرة يوروهات مقابل المبيت ليلة واحدة لدى السكان، فيما لجأ آخرون إلى المستودعات الصناعية أو قضوا لياليهم في العراء بمنطقة تاراخال.
ونقلت الصحيفة مشهدا لمراهقين مغربيين من طنجة، وليد وأمين، يبلغان 17 عاما، تحدثا عن الإنهاك والجوع بعد أسابيع من العيش في الشوارع. ولم يجد أحدهما يوم الاثنين سوى برتقالة يأكلها، بينما اكتفى الآخر بمشروب غازي، في وقت ظلا يتشبثان فيه بالبقاء داخل المدينة رغم الظروف التي يعيشانها.
وتوقفت “لوموند” في تقرير ثان نشرته الأربعاء عند مفارقة زيارة فيليبي السادس وزوجته المقبرة الإسلامية بسيدي مبارك، للترحم على قبور نحو 140 مهاجرا قضوا غرقا خلال أزمة الهجرة نهاية يوليو الماضي، في حين لم يلتق الملك أيا من المهاجرين الأحياء الذين ما زالوا يقيمون في المدينة بصورة غير نظامية.
وجاءت هذه المشاهد بينما أكد الملك الإسباني، في كلمة ألقاها خلال الزيارة، ضرورة معاملة المهاجرين بكرامة وإنسانية واحترام الضمانات القانونية، مطالبا في الوقت نفسه بإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية بأسرع وقت ممكن.
وكانت سبتة قد شهدت يومي 30 و31 يوليو الماضي تدفق نحو 72 ألف مهاجر قادمين من المغرب، بحسب الأرقام التي أوردتها الصحيفة الفرنسية، في أزمة إنسانية استمرت تداعياتها لأكثر من شهرين ونصف الشهر.
وبين شواطئ أزيلت منها المخيمات، وخيام حجبتها الحواجز، ومهاجرين توزعوا على الأحياء البعيدة عن برنامج الزيارة، رسمت المعاينات الميدانية التي نشرتها “لوموند” صورة مختلفة عن مشاهد الاستقبال الرسمي للملك الإسباني، الذي جاب المدينة دون أن يصادف أيا من آلاف المهاجرين الذين شكل وجودهم أحد أبرز أسباب زيارته.







