كشفت معطيات تحقيق عن معطيات صادمة تضع السلطات الإسبانية أمام اتهامات بانتهاك حقوق المهاجرين في مدينة سبتة المحتلة، وتعيد طرح مسؤولية مدريد عن تدبير الأزمة التي تحولت خلال الأشهر الماضية إلى مصدر اتهامات سياسية للمغرب، رغم إعلان الرباط استعدادها لاستعادة المهاجرين المغاربة ورفضها تحميلها مسؤولية أحداث العبور الجماعي.
وأظهر التحقيق الذي نشرته وكالة “رويترز”، الاثنين، أن مساعي حكومة بيدرو سانشيز لتقليص أعداد المهاجرين العالقين بالمدينة، قبل الانتخابات التشريعية المبكرة المقررة في 29 نونبر المقبل، تصطدم بشكايات حقوقية بشأن عمليات ترحيل قسري وحرمان مهاجرين من ضماناتهم القانونية، وسط تساؤلات عن مدى تأثير الحسابات الانتخابية على القرارات المتعلقة بمصير آلاف الأشخاص الموجودين تحت مسؤولية السلطات الإسبانية.
وتكتسب هذه المعطيات دلالة خاصة في ضوء الموقف الذي أعلنته وزارة الخارجية في 10 شتنبر الماضي، عندما نفت وجود أدلة تثبت تورط الرباط في تدفقات الهجرة نحو سبتة، ورفضت إقحام المغرب في الصراعات السياسية الإسبانية، متسائلة عن أسباب تأخر إعادة المهاجرين غير النظاميين رغم التزام المملكة رسميا باستعادتهم.
وكانت الخارجية المغربية قد أثارت، في تصريحات نقلتها “رويترز” آنذاك، مسألة استمرار إبقاء قاصرين مغاربة بعيدا عن أسرهم، رغم مطالبة المغرب بإعادتهم، مشددة على رفض تحويل المملكة إلى طرف يتحمل تبعات الخلافات الانتخابية الداخلية بإسبانيا.
ويأتي التحقيق الجديد ليضع جانبا آخر من الأزمة تحت المجهر، إذ انتقل الجدل من الاتهامات المتعلقة بمصدر تدفقات الهجرة إلى الإجراءات التي تعتمدها السلطات الإسبانية تجاه المهاجرين الذين أصبحوا داخل نطاق مسؤوليتها القانونية والإدارية.
اتهامات تناقض الرواية الرسمية
وكشفت “رويترز”، استنادا إلى أكثر من 20 مقابلة مع مهاجرين ومحامين ومسؤولين أمنيين وممثلين عن منظمات إنسانية، عن شهادات تتعارض مع تأكيدات الحكومة الإسبانية بشأن الطابع الطوعي لعودة المهاجرين.
فبينما أعلنت مدريد أن نحو 12 ألف مهاجر اختاروا العودة منذ منتصف غشت الماضي، أكدت تسع منظمات غير حكومية على الأقل تعرض أشخاص استفادوا من خدماتها لضغوط دفعتهم إلى المغادرة.
وأوردت الوكالة شهادة مهاجر مغربي يدعى أزهر الشاوني، قال إن الشرطة الإسبانية نقلته مع مهاجرين آخرين في حافلات بعدما أبلغتهم بأنهم سيتوجهون إلى مراكز استقبال، قبل أن يفاجأوا بإعادتهم إلى باقي التراب المغربي دون توضيحات بشأن الإجراءات المتخذة في حقهم.
ولم تقف الاتهامات عند هذه الشهادة، بعدما تقدمت ثماني منظمات إنسانية، بينها “العفو الدولية” و”أوكسفام”، بشكاية إلى أمين المظالم الإسباني، تتهم فيها السلطات بارتكاب “انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان”، تشمل الإعادة القسرية لمهاجرين من بلدان تشهد نزاعات، وحرمان آخرين من المساعدة القانونية والترجمة.
وتحدثت جمعية “إيلين” الإسبانية، ضمن الشكاية، عن استدعاء مهاجرين من السودان وتشاد إلى مقرات الشرطة يومي 24 و25 شتنبر الماضي، قبل ترحيلهم دون إخطار مسبق، وهي وقائع تثير تساؤلات قانونية بشأن احترام الإجراءات الفردية التي تفرضها تشريعات اللجوء الأوروبية.
وفي المقابل، نفى وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا تنفيذ عمليات ترحيل سرية، مؤكدا أن العودة تجري بصورة طوعية، وأن السلطات تلقت نحو 1200 طلب لجوء، حسمت 700 منها.
وتبقى الوقائع التي أوردتها المنظمات الحقوقية موضوع اتهامات وشكايات، دون أن يقدم تحقيق الوكالة أحكاما قضائية تثبت مسؤولية السلطات الإسبانية عنها.
أزمة تدبير داخلية تتجاوز الحدود
ولم تقتصر المعطيات التي جمعها التحقيق على عمليات الإعادة، بل كشفت عن صعوبات إدارية تواجهها الأجهزة الإسبانية نفسها، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تقديم تسريع معالجة ملفات المهاجرين باعتباره مخرجا من الأزمة.
وتقدر نقابات الشرطة الإسبانية استمرار وجود ما بين 7000 و8000 مهاجر عالقين بسبتة، بينما لا تتجاوز وتيرة تسجيل الملفات نحو 100 حالة يوميا، بسبب نقص الموظفين والتجهيزات، وفق ممثل نقابي تحدث إلى “رويترز”.
ورجح المسؤول النقابي استمرار معالجة الملفات إلى صيف 2027، رغم الضغوط الحكومية الرامية إلى تسريع إجراءات اللجوء والعودة.
وتثير هذه الأرقام تساؤلات بشأن قدرة السلطات الإسبانية على تنفيذ خططها دون الإخلال بالضمانات القانونية، خصوصا أن ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي، الذي بدأ تطبيقه في يونيو الماضي، يحدد آجالا لمعالجة بعض طلبات الحماية، لكنه لا يلغي حق المعنيين في دراسة ملفاتهم بصورة فردية.
وتبرز مسألة أخرى تتعلق باختيارات مدريد الإدارية، إذ أوضح التحقيق أن القواعد الأوروبية لا تلزم بإبقاء طالبي اللجوء في المدينة التي وصلوا إليها، وتسمح بنقلهم إلى مناطق حدودية أخرى داخل إسبانيا، وهو ما تعتبر منظمات حقوقية أنه يتيح تخفيف الضغط عن مرافق سبتة.
ورغم ذلك، لم تنقل السلطات الإسبانية إلى أراضيها الأوروبية سوى 262 قاصرا منذ أحداث يوليو، بينما ما زال آلاف الأشخاص ينتظرون تسوية وضعياتهم وسط اكتظاظ مرافق الاستقبال وتدهور الظروف الصحية.
وسجل أطباء بالمدينة حالات إصابة بالجرب والسل والتهابات معوية، فيما كشف التحقيق عن أوضاع أسر تحتاج إلى رعاية طبية متخصصة، لكنها تواجه قيودا على الانتقال للحصول على العلاج.
وتضع هذه المعطيات مسؤولية الاستقبال والرعاية الصحية والإجراءات القانونية في صلب النقاش بشأن الأزمة، بدلا من اختزالها في مسألة مراقبة الحدود أو المطالبة بإعادة المهاجرين.
حسابات الانتخابات ومسؤولية مدريد
وتأتي هذه التطورات بينما تواجه حكومة سانشيز ضغوطا متزايدة من أحزاب اليمين واليمين المتطرف، التي اتهمت المغرب بتدبير أحداث العبور الجماعي في يوليو الماضي، وطالبت بإعادة جميع المهاجرين الذين دخلوا سبتة.
وكانت الرباط قد ردت على هذه الاتهامات بالتأكيد على غياب الأدلة التي تثبت مسؤولية السلطات المغربية، مع التشديد على استمرار التعاون الأمني والهجري بين البلدين، ورفض تحميل المغرب تبعات السجال السياسي الإسباني.
ويعيد تحقيق “رويترز” الاعتبار إلى جانب آخر من الأزمة، يتعلق بكيفية ممارسة السلطات الإسبانية لصلاحياتها تجاه المهاجرين، ومدى احترامها للقواعد القانونية التي تحكم عمليات الإعادة وطلبات الحماية، بصرف النظر عن الجدل المتعلق بأسباب وصولهم إلى المدينة.
كما تطرح المعطيات التي وثقتها الوكالة إشكالا بشأن التوفيق بين الخطاب الرسمي الإسباني الداعي إلى احترام حقوق الإنسان، وبين الشكايات المتعلقة بممارسات الإكراه والترحيل دون ضمانات كافية، لا سيما في ظل تسريع الإجراءات قبيل الاستحقاقات الانتخابية.
ولا يتضمن التحقيق ما يحسم الجدل السياسي بشأن مسؤولية أحداث يوليو، لكنه يوفر معطيات مستقلة عن الإجراءات الإسبانية اللاحقة، ويضع الحكومة أمام مطالب بتفسير كيفية إدارة عمليات العودة ومعالجة طلبات اللجوء وظروف بقاء آلاف المهاجرين داخل المدينة.
وبينما يستمر توظيف ملف الهجرة في الصراع السياسي الإسباني، تبرز مسؤولية مدريد عن احترام حقوق الأشخاص الخاضعين لسلطاتها باعتبارها قضية قائمة بذاتها، لا تحسمها الاتهامات الموجهة إلى المغرب ولا المطالب السياسية بتسريع إعادة المهاجرين.







