حققت السلطات الإسبانية تقدما في مشروع إعادة توطين أحد أندر الطيور المهددة بالانقراض، بعدما نجحت في إنتاج ستة فراخ من طائر “السمان الأندلسي” داخل مركز لحماية التنوع البيولوجي بمدينة خيريث، اعتمادا على سلالات جرى استقدامها من المغرب، الذي يحتضن آخر مجموعة برية معروفة من هذا النوع في حوض البحر الأبيض المتوسط.
وأعلنت حكومة إقليم الأندلس، الثلاثاء، أن الفراخ الستة خرجت من بيض وضعته أنثيان ضمن مجموعة تضم 18 طائرا وصلت من المغرب في شتنبر الماضي، في إطار مشروع مشترك يهدف إلى إعادة هذا النوع إلى موائله الطبيعية بإسبانيا، بعد عقود من اختفائه، مع دعم الجهود الرامية إلى حماية مجموعاته المتبقية بالمغرب.
ويمنح هذا التطور المغرب موقعا أساسيا في أحد أبرز برامج المحافظة على الأنواع المهددة بالانقراض، بعدما أظهرت الأبحاث أن الساحل الأطلسي المغربي يمثل الملاذ الطبيعي الأخير المعروف لهذا الطائر، الذي كان ينتشر في مناطق واسعة من حوض البحر الأبيض المتوسط قبل أن تتقلص مجالات وجوده تدريجيا.
ونقلت وكالة “أوروبا برس” الإسبانية عن السلطات الأندلسية أن الطيور المغربية تكيفت بصورة جيدة مع بيئتها الجديدة داخل مركز خيريث، حيث وضعت أنثيان سبع بيضات خلال نحو شهر ونصف من وصولها، قبل أن تنجح عملية الحضانة الاصطناعية في إنتاج ستة فراخ يومي 11 و12 أكتوبر الجاري، فيما تواصل الفرق المختصة متابعة تطور البيضة السابعة.
وجاء نقل الطيور إلى إسبانيا عقب عمليات ميدانية أجراها خبراء مغاربة وإسبان لجمع بيض من أعشاش طبيعية بالمغرب، وإخضاعه للحضانة حتى الفقس، قبل نقل 18 طائرا إلى الأندلس في التاسع من شتنبر الماضي، بعد استكمال الإجراءات الصحية والإدارية اللازمة.
وتندرج العملية ضمن تعاون مؤسساتي وعلمي تشارك فيه الوكالة الوطنية للمياه والغابات بالمغرب، ووزارة الانتقال البيئي الإسبانية، وحكومة إقليم الأندلس، إلى جانب الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة ومؤسسات علمية متخصصة في حماية الأنواع المهددة.
وتبرز أهمية المشاركة المغربية في أن نجاح المشروع الإسباني يرتبط مباشرة بالمخزون الطبيعي والوراثي الذي لا يزال المغرب يحتفظ به، إذ تؤكد المعطيات العلمية أن آخر مجموعة برية معروفة من السمان الأندلسي تعيش في منطقة محدودة من الساحل الأطلسي المغربي، ولا سيما في محيط الوليدية، وسط حقول وبساتين تقليدية توفر الظروف الضرورية لتكاثره واستمراره.
وتقدر الجهات البيئية الإسبانية أعداد هذه الطيور ببضع مئات فقط، مع تسجيل مؤشرات على استمرار تراجعها، وهو ما يجعل المحافظة على موائلها المغربية شرطا أساسيا لضمان مستقبل النوع، سواء داخل المملكة أو في المناطق التي تسعى إسبانيا إلى إعادة توطينه فيها.
وفي هذا السياق، يكتسب المشروع بعدا يتجاوز استعادة طائر اختفى من الأراضي الإسبانية، بالنظر إلى دوره المرتقب في دعم جهود المغرب للحفاظ على آخر تجمعاته الطبيعية، وتوسيع إمكانات التكاثر خارج موائله الأصلية لتقليل مخاطر انقراضه.
وبحسب المعطيات التي نشرها الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، فقد أنشئ مركز ثان لإكثار هذا الطائر بحديقة الحيوانات عين السبع في الدار البيضاء، ليعمل بتنسيق مع مركز خيريث الإسباني، ضمن برنامج يستهدف إقامة مجموعتين قادرتين على التكاثر، وتوفير أجيال جديدة لإعادة إدماجها مستقبلا في بيئاتها الطبيعية.
وأكد زهير أمحاوش، ممثل الوكالة الوطنية للمياه والغابات المغربية، في تصريحات نشرها الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، أن التعاون لا يقتصر على إعادة الطائر إلى الأندلس، بل يشمل تحسين المعرفة العلمية بالمجموعة المغربية وحماية موائلها، تمهيدا لتعزيز أعدادها مستقبلا بطيور تتكاثر داخل مركزي الدار البيضاء وخيريث.
وتعتزم السلطات الأندلسية تنفيذ أربع حملات ميدانية إضافية على الأقل بالمغرب خلال السنوات المقبلة، بهدف توسيع المجموعة المخصصة للتكاثر والحفاظ على تنوعها الوراثي، بما يحد من مخاطر التزاوج بين الأقارب ويزيد فرص إنتاج أجيال سليمة.
وتخضع الفراخ المولودة في خيريث لمراقبة علمية تشمل قياس النمو ومتابعة التغذية وتوثيق الخصائص الوراثية، فيما يأمل القائمون على البرنامج في تكوين مجموعة مستقرة تسمح، في مرحلة لاحقة، بإعادة إطلاق الطيور في مناطق مختارة من الساحل الأندلسي.
وكان الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة قد اعتبر أن التعاون بين المغرب وإسبانيا يفتح فرصة جديدة لاستعادة هذا النوع، مشيرا إلى أن العمل المشترك بين المؤسسات والخبراء في البلدين أسهم في الانتقال من الدراسات العلمية إلى إجراءات ميدانية ملموسة.
ويعكس اعتماد إسبانيا على السلالات المغربية الأهمية البيئية التي تكتسيها المملكة في المحافظة على التنوع البيولوجي المتوسطي، بعدما أصبح استمرار هذا النوع النادر مرتبطا بما تحتضنه أراضيها من تجمعات طبيعية، وبالجهود المشتركة للحفاظ عليها وضمان تكاثرها.







