يفتح المغرب مرحلة جديدة في مسار تحوله إلى قوة مينائية دولية، مع الإعلان عن مشروع «طنجة المتوسط 3»، الذي يستهدف رفع القدرة الاستيعابية للمركب المينائي إلى 20 مليون حاوية سنوياً، في خطوة تعكس طموح المملكة للانتقال من موقع المنصة اللوجستية الإقليمية إلى أحد أبرز المراكز المؤثرة في حركة التجارة البحرية العالمية.
ويأتي هذا التحول في وقت تشهد فيه التجارة الدولية تغيرات عميقة، بفعل إعادة تشكيل سلاسل التوريد واحتدام المنافسة على استقطاب الاستثمارات الصناعية، وهو ما يمنح الموقع الجغرافي للمغرب، عند ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، أهمية استراتيجية متزايدة.
وخلال جلسة عمل ترأسها الملك محمد السادس، الأربعاء 28 أكتوبر 2026، جرى تقديم مشروع التوسعة الجديد لميناء طنجة المتوسط، باستثمار يبلغ ثمانية مليارات درهم، يشمل إنشاء بنية مينائية غرب «طنجة المتوسط 2»، بأرصفة تمتد على طول 1200 متر، وطاقة إضافية تناهز 4.5 ملايين حاوية سنوياً.
ويعزز المشروع موقع المغرب ضمن خريطة النقل البحري الدولي، خصوصاً بعدما تمكن ميناء طنجة المتوسط من معالجة أكثر من 11.1 مليون حاوية سنة 2025، محتلاً المرتبة السادسة عشرة عالمياً ضمن تصنيف الموانئ المتخصصة في الحاويات.
لكن الطموح الجديد يتجاوز مجرد توسيع الأرصفة ورفع أعداد الحاويات، إذ يرتبط بإعادة تموقع المغرب في منظومة التجارة العالمية، باعتباره نقطة اتصال رئيسية بين الأسواق الأوروبية والإفريقية والأمريكية والآسيوية.
ويكتسي توقيع عقد امتياز مع مجموعة «ميرسك-APM»، إحدى أبرز الفاعلين العالميين في النقل البحري وتشغيل المحطات، دلالة اقتصادية خاصة، بالنظر إلى ما يمكن أن يوفره من اندماج أوسع في الشبكات الدولية لنقل الحاويات واستقطاب خطوط بحرية جديدة.
ويأتي المشروع أيضاً في سياق تنافس متزايد بين الموانئ المتوسطية على استقطاب التدفقات التجارية، غير أن المغرب يسعى إلى تعزيز موقعه من خلال نموذج يجمع بين البنية المينائية والأنشطة الصناعية واللوجستية، بدلاً من الاقتصار على خدمات عبور البضائع.
وبموازاة ذلك، يستعد ميناء الناظور غرب المتوسط لدخول مرحلة التشغيل، في خطوة تمهد لبروز قطب مينائي وصناعي جديد بالمنطقة الشرقية، وتمنح المغرب قدرات إضافية لاستقبال الاستثمارات وتوزيع الأنشطة الاقتصادية على واجهته المتوسطية.
ويعكس الجمع بين مشروعي طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط توجهاً نحو بناء شبكة مينائية وطنية متكاملة، قادرة على استيعاب التحولات المستقبلية في التجارة البحرية، وتوفير بدائل متنوعة أمام المستثمرين وشركات النقل العالمية.
غير أن الرهان الأكثر حساسية يظل مرتبطاً بمدى انتقال هذه القوة الاقتصادية إلى محيطها الاجتماعي.
فنجاح «طنجة المتوسط 3» لن يقاس فقط بموقعه في التصنيفات الدولية أو حجم الحاويات التي يعالجها، بل أيضاً بقدرته على استحداث وظائف جديدة، وتحفيز المقاولات المحلية، وتوسيع فرص التكوين والتشغيل لفائدة شباب الأقاليم المحيطة بالمركب المينائي.
وفي هذا السياق، شدد الملك محمد السادس على ضرورة استفادة مختلف الأقاليم المعنية من العائدات الاقتصادية والاجتماعية للمشاريع المينائية، وترجمتها إلى تحسينات ملموسة في الظروف المعيشية للسكان، مع تسريع برامج التكوين الملائمة للأنشطة الاقتصادية الجديدة.
ويضع هذا التوجيه البعد الاجتماعي في صلب المرحلة المقبلة، في ظل تحديات مرتبطة بتأهيل الموارد البشرية، وربط الاستثمارات الكبرى بالاقتصاد المحلي، وضمان انتشار آثار النمو خارج المناطق الصناعية والمينائية.
وبين طنجة والناظور، تتشكل بذلك مرحلة جديدة من الاستراتيجية الاقتصادية المغربية، لا تتعلق فقط بتوسيع القدرة على استقبال السفن والحاويات، بل بمحاولة ترسيخ موقع المملكة باعتبارها مركزاً دولياً للصناعة والتجارة والخدمات اللوجستية.







