فتح مهربو مخدرات النار على عناصر من الحرس المدني الإسباني، خلال عملية لإحباط إنزال أكثر من طن من الحشيش بساحل هويلفا، في واقعة أظهرت انتقال شبكات “الناركولانشاس” في جنوب البلاد إلى مستوى أكثر عنفا في مواجهة الضغط الأمني المتزايد.
وأفادت صحيفة “أوروبا سور” بأن الحادث وقع فجر الخميس في منطقة بونتا أومبريا، بعدما رصدت مصالح الحرس المدني قاربا شبه صلب على بعد نحو ثمانية أميال بحرية من الساحل، أي حوالي 14,8 كيلومترا، قبل أن تعبئ وحدات برية وبحرية لاعتراض عملية إنزال مخدرات في مصب المنطقة.
وبحسب الصحيفة، كان القارب جزءا من عملية منظمة تقوم على نقل الشحنة بحرا، ثم تفريغها بسرعة في نقطة ساحلية، حيث كانت تنتظرها سيارة نفعية وأخرى خفيفة وعدد من الأشخاص المكلفين بنقل الرزم إلى داخل الأراضي الإسبانية.
وعند تدخل عناصر الحرس المدني، فتح المشتبه فيهم النار باستعمال أسلحة طويلة، يحتمل أن تكون شبه أوتوماتيكية، قبل أن يفر عدد منهم مشيا على الأقدام. وردت الدورية على مصدر النيران، من دون أن تسجل إصابات في صفوف العناصر الأمنية.
ونشرت “أوروبا سور”، نقلا عن الجمعية الموحدة للحرس المدني، صورا لسيارة رسمية أصيبت بعدة طلقات، أظهرت ثقوبا في الهيكل وتضررا واضحا في الزجاج الأمامي والخلفي، في مشهد أعاد إلى الواجهة تحذيرات متكررة داخل إسبانيا من ارتفاع منسوب العنف لدى شبكات التهريب البحري.

وأسفرت العملية عن توقيف شخص واحد يشتبه في ارتباطه بالعملية، فيما تواصل السلطات الإسبانية البحث عن باقي المتورطين. كما تم حجز 56 رزمة من الحشيش، يبلغ وزنها الإجمالي حوالي 1120 كيلوغراما، إضافة إلى سلاح ناري قصير عثر عليه داخل إحدى السيارات المستعملة في العملية.
وعثر المحققون أيضا على أظرفة وذخائر في محيط مكان إطلاق النار، ينتظر أن تخضع للتحليل الجنائي لتحديد نوع الأسلحة والعيارات المستعملة في الهجوم.
وتستعمل الصحافة والأوساط الأمنية في إسبانيا تعبير “الناركولانشاس” لوصف الزوارق السريعة التي تعتمدها شبكات المخدرات، خصوصا في جنوب البلاد. ويتعلق الأمر غالبا بقوارب شبه صلبة، مزودة بمحركات قوية، قادرة على قطع مسافات بحرية بسرعة عالية، والوصول إلى شواطئ أو مصبات أنهار تسمح بتفريغ الشحنات في وقت قصير.
ولا تحيل هذه التسمية فقط على القارب كوسيلة نقل، بل على منظومة كاملة تشمل السائقين البحريين، نقاط الإنزال، سيارات النقل، مخازن الوقود، شبكات المراقبة، والفرق المكلفة بتأمين مسار الشحنة بعد وصولها إلى البر.
وتعد لحظة “الإنزال” المرحلة الأكثر حساسية في هذه العمليات، لأنها تنقل الشحنة من البحر إلى اليابسة. ففي هذه الدقائق القليلة يجتمع القارب، والرزم، والسيارات، والسائقون، والمكلفون بالحراسة أو التنبيه، ما يجعل التدخل الأمني في تلك اللحظة قادرا على إسقاط جزء مهم من العملية.
ولهذا السبب، تسعى شبكات التهريب إلى اختيار نقاط تسمح بسرعة التفريغ والانسحاب، مثل مصبات الأنهار، الشواطئ الهادئة، والمناطق التي توفر منفذا قريبا نحو الطرق الداخلية.
غير أن واقعة بونتا أومبريا كشفت أن بعض هذه الشبكات لم تعد تكتفي بالفرار عند مباغتتها، بل باتت مستعدة لاستعمال السلاح لحماية الشحنة أو فتح طريق للهروب.
وتأتي هذه الحادثة بعد سنوات من تشديد المراقبة في كامبو دي جبل طارق، وهي المنطقة الإسبانية المقابلة لمضيق جبل طارق، وتشمل محيط الجزيرة الخضراء ولا لينيا وسان روكي ومناطق ساحلية أخرى.
وقد ظلت هذه المنطقة إحدى أبرز نقاط الضغط في مواجهة تهريب الحشيش نحو أوروبا، بحكم قربها من المسارات البحرية الجنوبية وقوة شبكات الاستقبال البرية.
ومنذ سنة 2018، أطلقت مدريد خطة خاصة لأمن كامبو دي جبل طارق، قبل أن توسع نطاقها لاحقا ليشمل ست مقاطعات أندلسية هي قادس، مالقة، هويلفا، غرناطة، ألمرية وإشبيلية.
وتهدف الخطة إلى تعزيز حضور الشرطة الوطنية والحرس المدني، وتقوية وسائل المراقبة، واستهداف البنية المالية واللوجستية للشبكات.
وفي نسختها الخامسة، الممتدة من بداية 2026 إلى نهاية 2027، خصصت وزارة الداخلية الإسبانية 38,2 مليون يورو لسنة 2026، من أجل دعم الموارد البشرية والوسائل التقنية والمادية، وتعزيز قدرات التحقيق والاستخبارات، بما في ذلك مراقبة طرق التزود بالوقود التي تعتمد عليها الزوارق السريعة.
وتقول وزارة الداخلية الإسبانية إن الخطة سمحت، منذ إطلاقها في يوليوز 2018 إلى نهاية 2025، بتنفيذ 47 ألفا و862 عملية أمنية، وإيقاف أو إخضاع 31 ألفا و335 شخصا للتحقيق في قضايا مرتبطة بالمخدرات والتهريب، إضافة إلى حجز أكثر من 2,1 مليون كيلوغرام من المخدرات.
كما شملت المحجوزات، بحسب الأرقام الرسمية، 1884 سلاحا ناريا، وأكثر من 124 مليون يورو نقدا، و9728 مركبة، بينها 2068 مركبة بحرية، فضلا عن أكثر من 2,1 مليون لتر من الوقود.
غير أن هذا الضغط الأمني أدى، وفق تقارير إسبانية، إلى انتقال جزء من نشاط الشبكات نحو مناطق أقل تعرضا للمراقبة المكثفة.
وبرزت هويلفا، ومحيط نهري الوادي الكبير وغواديانا، وجنوب البرتغال، ضمن المجالات التي تحاول شبكات التهريب استغلالها بعد تضييق الخناق على المسارات التقليدية في المضيق وكامبو دي جبل طارق.
وتقع بونتا أومبريا على الواجهة الأطلسية لإقليم هويلفا، غرب مضيق جبل طارق، في منطقة تمنح مصباتها ومجالاتها النهرية هامشا للمناورة بين البحر والبر. ولذلك باتت تدخل ضمن الخريطة الموسعة التي تراقبها المصالح الإسبانية في مواجهة انتشار الزوارق السريعة وشبكات الاستقبال البرية.
وأثارت الواقعة ردود فعل حادة داخل جمعيات مهنية للحرس المدني. واعتبرت الجمعية الموحدة للحرس المدني أن ما وقع يؤكد تحذيرات سابقة من تصاعد العنف، فيما رأت جمعية “خوسيل” أن الطلقات التي أصابت السيارة الرسمية تمثل دليلا جديدا على “قفزة نوعية” في سلوك شبكات المخدرات بالأندلس.
وتقول هذه الجمعيات إن الوحدات المنتشرة في هويلفا وقادس وكامبو دي جبل طارق تواجه شبكات ذات قدرة مالية ولوجستية كبيرة، في وقت تطالب فيه بمزيد من العناصر والوسائل والتجهيزات الواقية، وباعتراف رسمي أكبر بخطورة العمل الأمني في هذه المناطق.
وكانت حوادث سابقة في جنوب إسبانيا قد أظهرت حجم المخاطر التي تواجهها الوحدات الأمنية، سواء في البحر أو عند نقاط الإنزال، حيث تتحرك الزوارق السريعة والسيارات الداعمة ضمن شبكات منظمة تتقاسم الأدوار بين النقل، الحراسة، التموين، التخزين وإعادة التوزيع.
وبينما تواصل السلطات الإسبانية البحث عن الفارين من عملية بونتا أومبريا، أضاف إطلاق النار على سيارة الحرس المدني واقعة جديدة إلى ملف “الناركولانشاس”، الذي لم يعد مرتبطا فقط بسرعة الزوارق وشحنات الحشيش، بل أيضا باستعداد متزايد للمواجهة المسلحة عند وصول المخدرات إلى البر.







