عفوا يا أستاذي العزيز… ! – ذ . رضوان بنصار
ads980-250 after header


الإشهار 2

عفوا يا أستاذي العزيز… ! – ذ . رضوان بنصار

إشهار مابين الصورة والمحتوى

إن الأمر يتعلق بمرحلة دراسية، ما فتئت أن شكلت لي عقدة نفسية كادت تعصف بمساري الدراسي الطويل والشاق، جراء بعض الممارسات الغير تربوية التي كانت تصدر عن مجموعة من الأساتذة – الأجِلاَّء – والتي كنت ضحية لها ، فإلى جانب التحول الهرموني، والنفسي، والجسماني، الذي يطرأ على كل الأطفال المنتقلين من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الإعدادية ، ينضاف عامل آخر يساهم في تغيير نفسية التلميذ، والمتمثل في الكم الهائل من الأساتذة والمواد المدرسة في المرحلة الإعدادية ، فلكلّ تغيراته وطرائفه وإكراهاته في هذه المرحلة ، المهم هو أنني تجرعت مرارة تلك المرحلة الانتقالية، فمن سوء حظي أن أُشبعت شتما و ضربا مبرحا لأحفظ جدول الضرب – وبالمناسبة هو اسم على مسمى – في المرحلة الابتدائية، وازداد الوضع تأزما في المرحلة الإعدادية ،وبالضبط في السنة الأولى منها ، فلولا الألطاف الربانية لتوقف قطار حياتي عندها، فللأمانة كنت من التلاميذ الذين يكرهون العمليات الحسابية والحروف اللاتينية في مادة الرياضيات ،وللتوضيح أكثر، كنت أتمنى لو أنني حصلت على شهادة الإعفاء في هذه المادة، كما يتم الحصول عليها في مادة التربية البدنية، جراء مشكل صحي أو ما شابه ذلك ،فشاءت الأقدار، ولسوء الصدف أو لحسنها ، فلكم أن تحكموا ، مرة أخرى سيلقنني مادة الرياضيات في السنة الأولى إعدادي أستاذ – مع كامل احترامي له – سليط اللسان ، لسانه  كان  كالسوط، إذا انهال به عليك حتما  ستفقد وعيك، وسينفذ صبرك ،وخصوصا  حين  يتلعثم لسانك وأنت تريد الإجابة عن سؤال طرحه عليك، أو تبلل سروالك إن طُلب منك الالتحاق بالسبورة، التي اهترأت وتآكلت، لتفك طلاسم عملية حسابية، فحذار ثم حذار، أن تُسقطك تلك السبورة المشؤومة في الخطأ، وذلك  لعدم وضوح الكتابة بها، بحيث لا تكاد تخل من الحفر والتشوهات. فمن الأشياء التي مازالت عالقة بذاكرتي والتي ارتبطت بهذا الأستاذ ، هي لحظة توبيخي وعتابي منه حين أعجز عن حل معادلة من الدرجة الأولى أو الثانية ، حينها يقترب مني ويضع يده على كتفي الأيسر ليبدأ بعزف سمفونيته المفضلة، والتي يتسلى بها حين يرغب في الترويح عن نفسه، أو يستعرض عضلاته على الضعاف من التلاميذ بدنيا ونفسيا، وفي الحقيقة، فمستواي في هذه المادة العلمية لم يكن هزيلا جدا، ولكن كنت من التلاميذ الذين لا يستوعبون الشرح منذ الوهلة الأولى ،بل كنت ممن يتفاعل مع الأستاذ حين يكرر الشرح مرتين أو ثلاث مرات ، وهذا ليس بالأمر الشاذ ، فالأستاذ الذي يحترم نفسه ويتعامل مع أبناء الشعب كما يتعامل مع فلذات أكباده، فسيُقرب مادته للمتفوق كما للمتواضع، وسيرفع من همة وشأن ذاك المتواضع ،ويمنحه جرعات الأمل، ويدلل الصعوبات التي تحول بينه وبين فهم هذه المادة ،وبالتالي عوض أن يصب التلميذ جام غضبه على الأستاذ وعلى مادته، سيبذل قصارى جهده لينال رضا الأستاذ ، والذي من جهته سيساعده على استشراف المستقبل، ولكن ما يحز في النفس وما يدمي القلب، هو استخدام ذاك الأستاذ ، أستاذ الرياضيات ، لمصطلحات غير تربوية كما سبق الذكر، تثبط من عزيمة كل تواق للنجاح ، فعلى سبيل المثال لا الحصر ، فقد نُعت بالغبي، وبالفاشل في حياته ،وبالعامية الجبلية القدحية ” والله لا طْفَّرتُو” … وبنعوت أخرى لا داعي لذكرها ، فبالله عليكم من فشل في فك لغز معادلة معينة يُنعت بهذه النعوت، التي تهدد المسار الدراسي والطبيعي لكل تلميذ ،ولا سيما في حداثة سنه ، وفي سن يكون فيه الطفل سريع التأثر ،سواء تعلق الأمر بتعنيف لفظي أو جسدي . فأمام هذا الوضع المتأزم الذي عشته طيلة المرحلة الإعدادية ،والذي كلفني رسوبي في السنة الثالثة إعدادي ،والسبب نفسه هو عدم قدرتي على التفاعل مع مادة اسمها الرياضيات ، وسبب الأزمة يبقى الأستاذ عينه الذي كاد أن يجهز على عزيمتي ، فكان من الطبيعي أن تبقى تبعات ذاك الفشل في تلك المادة يلاحقني إلى أن تخلصت من عقدتها بمجرد أن التحقت بالمرحلة الثانوية ، وحسمت في مسألة التوجيه ، إذ وجدت ضالتي في شعبة الآداب، التي من خلالها بَرْهَنْت لذاك الأستاذ أن مسألة النجاح في الحياة ،و تحسين مستوى عيش الإنسان لا يتوقف على مادة علمية  بعينها، بقدر ما يتوفر عليه الشخص من ملكات ومهارات التي منحه لله إياها ، وشحذها وصقلها أساتذة تُقَاةٌ ، لهم دراية بكيفية تحفيز المتعلمين وإبراز قدراتهم والدفع بهم للأمام، ولكن ليس” للهاوية “كما فعل معي أستاذي المحترم ،ومن هذا المنبر أنا ممتن له لما حصلته عليه اليوم، من مستوى علمي محترم ،ومكانة اجتماعية أنا راض عنها كل الرضا ، فكما يقال ” الضربة التي لا تقتل تقوي” فلولا توبيخه لي، لما بذلت مجهودا مضاعفا لأنتصر لقدراتي، ولأسرتي التي راهنت على تكويني، لألتحق في آخر المطاف بمصاف المواطنين المغاربة المنتجين ،وليكون درسا لأستاذي، الذي علق فشله في الحياة على تلميذ راسب في مادة الرياضيات ،كان من المتوقع أن يحتضنه أستاذه كما تحتضن الأم رضيعها، بدل أن يعنفه ويصنفه في خانة التلاميذ الميؤوس منهم. وشاءت الصدف أن ألتقي من جديد بأستاذ مادة الرياضيات ،وهذه المرة ليس في الفصل الدراسي ، ولكن سنجلس وجها لوجه ونحن نمتطي سويا حافلة ستقود كل واحد منا إلى وجهته المقصودة ، فوجهة الأستاذ كانت معلومة، من خلال هندامه  الذي كان يوحي بذلك ، فلباسه كان من البلاستيك وحاملا معه أدوات الصيد، وبالتالي تبقى هذه هي هوايته المفضلة منذ أن تعرفت عليه أول مرة ، ولكن ما يدعو للتساؤل والدهشة في نفس الوقت ، كيف لشخص ومربي في نفس الوقت، يعشق هواية الصبر ،مع العلم أنه لا يتوفر على ذرة من الصبر لتلقين “عباد الله” العلم النافع؟، والجميل في الأمر حين قدمت له نفسي، إذ حاول تغييب صورتي عن ذاكرته إما متعمدا ، أو أصابته علة النسيان ، ولكنني أرغمته على تذكر اسمي وحتى مستواي المتدني في مادته ، لأن جل الأساتذة يتذكرون في الغالب التلميذ المتفوق، أو التلميذ الكسول، أو الأكثر شغبا ،ولكن هذه المرة خاب حدسه وتقديره حين سألني عن مساري المهني، وأين قذفت بي أمواج الحياة. ففي الوقت الذي انتظر أستاذي الفاضل ردي على سؤاله الكلاسيكي ” فَيْن خَدَّم”؟ فوجئ بجواب لم يخطر على باله ،ولم يتوقعه في نفس الوقت ، وهو التحاقي بإحدى المؤسسات التعليمية كمدرس لمادة الاجتماعيات بعد أن أنهيت دراساتي العليا ، وأصبحت فاعلا جمعويا، لأن المتوقع بالنسبة إليه والمنطقي هو انقطاعي عن الدراسة في سن مبكرة ، وانضمامي لرفقاء السوء ، ولكن قدر الله وما شاء فعل ، وفي الختام عذرا أستاذي الجليل فعلى شتائمك شيدت طموحاتي وحققت أحلامي.


ads after content
شاهد أيضا