سِيدِي عْمارْ

مستجدات

  • ...
ads980-250 after header


الإشهار 2

سِيدِي عْمارْ

إشهار مابين الصورة والمحتوى

قرأ على لوحةِ القبرِ في خشوعٍ:

كل نفس ذائقة الموت، هنا يرقد المرحوم إسماعيل بن محمد الصروخ، كان قيد حياته ملحدًا، عالةً على نفسه وعلى المجتمع، عاطلاً عن العمل. غفر الله لنا وله.

بجانب القبر الذي يقف عليه، قبرٌ بهيٌّ، مزركشٌ بفسيفساءَ أندلسيةً، مخطوطةً بخطوطٍ زرقاءَ، تتوسط مربعاتها أشكالٌ هندسيةٌ خماسيةٌ تتحد في تراصٍ بديع. وأسفلَ القبرِ لوحةٌ رخاميةٌ، كُتبَ عليها بخطٍّ مغربيٍّ: يا واقفًا على قبري ادع لي بالرحمة والمغفرة.

إنتبه إلى آنيةٍ مدفونةٍ تؤطر القبر من جوانبه الأربع حتى تشرب منها الطيور، بينما تنتشر على أطرافه حبات ذُرةٍ وفتاتُ خبزٍ. لعلّ صاحبه يحصل على بعضٍ من الحسنات مقابل ذلك؛ صدقةٌ جاريةٌ في سبيل الله.

خطر له خاطر غريبٌ، فاستلذّه وطرب لإثارته؛ أخذ من محفظته نبيذًا وملأ الآنيةَ بالخمرِ، ثم قال وهو يخاطب صاحبه:

-هآنذا أُكرمُ جيرانك يا صديق!

سمع صوتاً من القبر يخاطبه:

– يا ليتك أكرمته، أنت تكرم الطيور الآن، لا شيء غير الظمأ الأبديِّ هنا يا صاح!

استدار مجددًا إلى قبر صاحبه، ثمّ تحسس بيديه ترابه فوجده جافًّا قاحلًا، على خلاف القبور التي تجاوره. لا أحد يروي صديقه، بالرغم من أنّه كان وليًّا من أولياء الله.

انتزع من محفظته مجددًا ثلاث بيراتٍ من نوع كازابلانكا ثم قال:

– لطالما كنتَ حقيرًا لا تحب إلّا السْبيسْيال، لكنّني ومع ذلك صديقٌ وفيٌّ، والمؤمن من يحبّ لأخيه ما يحبّه لنفسه.

ثم شرع يسقي القبر بالبيرات، حتى ابتلَّ وند منه عبير نديّ.

جلس بجوار القبرِ يراقب السماء، كانت السماء صافيةً، ونجومٌ بعيدةٌ تتلألأ. سمع صوتًا يتلو الآية الكريمة:

“وزينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجومًا للشياطين”

فأجابه في خلده:

– صدق الله العظيم.

ثم سمع صوتاً آخرَ من القبر يخاطبه من جديد:

– كل تلك النجوم الصغيرة شموسٌ كبيرةٌ، ترقص في أفلاكها الكواكب. اسقني بيرةً أخرى وستسقط إحداها لا محالة.

ارتعش وشعر لأول مرةٍ بالخوف.

رمى ببصره بعيدًا فرأى المدينة فاتنةً، تحدها الفوضى العمرانية شرقًا، ويحدها غربًا بحرٌ شاسعٌ تترامى في أفقه أراضٍ أوروبيةٌ، بينما تتمركز قبالته مساكن وبنايات، تحميها جبالٌ شاهقةٌ من الخلف.

يا له من منظرٍ بديعٍ، وهل يرجو غير الأبدية في مكان كهذا؟ شعر برغبةٍ مفاجئةٍ في الموت، رغب فيه كما لم يفعل من قبل.

هل يرغب حقًّا في الموت؟

ولمَ لمْ يمت طوعًا إذًا؟

بل هل يرغب حقًّا في الحياة؟

إنّه يقبل عليها بشراهة.

حسنًا، لا يهمه ذلك إطلاقًا. الموت كالحياة، كلاهما مأساوي.

لم يتمالك نفسه، فانفجر باكيًا، حتى هدّه التعب وخرّ نائمًا.


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا