من وحي ملتقى العبادي الثاني عشر..ملاحظات أولية – عبد السلام الخلوفي
ads980-250 after header

الإشهار 2

من وحي ملتقى العبادي الثاني عشر..ملاحظات أولية – عبد السلام الخلوفي

إشهار مابين الصورة والمحتوى

كان من حظي أن أحضر في اليوم الثاني لملتقى العبادي الثاني عشر، لهواة طرب الآلة، الذي ينظمه سنويا أخونا الدكتور شكيب العبادي مشكورا، فعنت لي مجموعة ملاحظات، أجملها على غير ترتيب، في الآتي:

1- لا أدري لم حضرت في ذهني، وأنا أتتبع بكل شغف الأداء الباهر للفرقة، نظرية التلقي وقطباها الألمانيان: هانز روبرت ياوس، صاحب جمالية التلقي، وفولفغانغ آيزر صاحب جمالية التأثير، وإن كانت نظرية التلقي حقلها الأساسي هو النص الأدبي بألوانه وأشكاله، فإنها تصح بالقوة والفعل، للعرض الذي استمتعت به أمس، فهذه النظرية في مبدئها العام، ترى أن دور المتلقي لم يعد محصورا في الاستحسان أو الاستهجان، وإنما هو مدعو لإعمال الفكر والتحليل والتدبر، وبالتالي فإن المتلقي ينتقل من درجة المستهلك السلبي، إلى درجة الشريك. وهذا بالضبط ما حصل أمس، فتتبع الحضور للعرض كان استثنائيا، فلا تشويش ولا تصفيق ولا غناء بصوت مرتفع، الكل يصيخ السمع للإشراقات الكثيرة التي حبل بها هذا العرض، وأعتقد أن ما حصل أمس، ينبغي أن يدعونا إلى تفكير جماعي في ضبط عمليات التلقي حسب سياقاتها وأماكنها، والغرض من العروض التي تقام في أكثر من مناسبة.

 2- تطوير الموسيقى الأندلسية المغربية من داخلها ممكن جدا، هذه قناعة ترسخت لدي وأنا أستمتع بميزان بطايحي الاستهلال

البغية:

تبدو لمسات تجعل طعم الجمل ألذ وأوضح، فهي موحدة في انطلاقها واختتامها، ولحونها أيضا، الكل يعزف نفس الجملة بنفس الطريقة، مع التنويع بين العزف في القرار وفي الجواب، والتداول بين العزف بالقوس والنقر بالأصابع بالنسبة لآلات الكمان والتشيلو والكنترباص، لمصاحبة بقية الوتريات كالقانون وآلات العود. ولعل ملح هذه البغية كان الاجتهاد الذي قدمه الجوق بالنسبة لصوت “ري” الذي كان في العادة يستغرق زمانا نغميا معينا، إيذانا بقرب نهاية البغية، جُعِلَ صوت “ري” مستقرا لعزف ديوانين كاملين بمهارة فائقة.

توشية البطايحي:

فاجأنا الفنان عمر المتيوي بإبداع جميل، متمثل في تلحينه لتوشية بطايحي الاستهلال، والجميل في هذا الإبداع، هو انضباطه لروح تواشي الميازين المعروفة، سواء من حيث عدد المقاطع، وخاصة فيما يتعلق بالإخلاص للطبع، فعندما تسمع التوشية، لن تميز هل هي من أصل هذا الميزان ورثت عن الأجداد، أو هي إبداع جديد. ومسألة إبداع المغاربة في الموسيقى الأندلسية المغربية، ليست جديدة، فمنشأها منذ استمرت الهجرات المتبادلة بين عدوتي المغرب والأندلس، وكثيرون من أعلام القرن العشرين وضعوا بصماتهم في تلحين تواش أو صنعات أو حتى ميازين كاملة وهذا أمر معروف.

وعلى ذكر التجديد أشير أيضا لمبدأ المحافظة، أتحدث هنا عن توشية درج الاستهلال، التي دأبنا على أدائها سريعة باجتهادات متعددة، عاد بها الجوق إلى أجواء ستينيات القرن الماضي، وأداها كما أبهرنا بها العميد محمد العربي التمسماني، فكانت تحفة للأسماع والأرواح، والرسالة هنا واضحة، التجديد حيثما وجب، والمحافظة أصل لا ينبغي التفريط فيه.

المصاحبة في الإنشاد والصنعة:

من آيات الجمال التي أبهرتني أمس، مصاحبة العازفين للمنشد، أثناء أدائه لإنشاد “عراق العرب”، فعلى غير العادة، حيث يصبح كل عازف مالكا لصيغته لهذا الإنشاد، يعزفها بقوة ويحاول توجيه المنشد لها، فقد كان المنشد سيد صيغته، والمصاحبة كانت من الخفوت الذي يبعث على الجلال والوقار، فلا تسمع الآلات إلا عند انتهاء المنشد من الجملة، لتذكيره بمُستَقَرِّه نغما.

نفس الأمر حاضر أثناء غناء الصنعة، فلا أحد يشوش بآلته، اللهم مصاحبات لطيفة وعلى استحياء، ودونما أدنى إزعاج، بآلات القانون والعود والتشيلو والكنترباص، مما جعل النص الشعري واضحا جليا، خاصة ودوزنة الآلات كانت مرتفعة درجة واحدة عن الدوزنة العالمية، مما جعل الأصوات الرجالية تتوحد وتتناغم.

عود على بدء

يجمع الدارسون على أن الموسيقى الأندلسية، كأهم تراث إنساني في العصر الوسيط، كانت الممهد لظهور الموسيقى الكلاسيكية العالمية، بأعلامها الكبار، أمس تأكدت من الأمر، فالعرض كان أشبه بتحفة كلاسيكية خالدة، وجب الشكر لكل فرد من أفراد الجوق واحداً واحدا، على تميزهم وأدائيهم الباهر، وشكر خاص للصديق عمر المتيوي على صبره وطول نفسه، فليس سهلا بالمرة تحضير نوبة كاملة بكل ذلك الرقي، والشكر الأوفى والثناء الأجزى لأخي الدكتور شكيب العبادي، على فنائه في هذا الموروث، وعلى مواصلته طيلة هذه السنوات، وأحييه على شجاعته في اختيار أداء الجوق للنوبة الكاملة ودون مكبر صوت، مما أضفى على العرض بهاء خاصا، وتحية ملؤها الحب والتقدير، لكل الحاضرين، الذين قدموا مثالا جميلا، لكيفية تلقي تراث أصيل وأثيل.


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا