قذائف حميد شباط أو السياسة بعيون حمراء – عبد القادر زعري
ads980-250 after header


الإشهار 2

قذائف حميد شباط أو السياسة بعيون حمراء – عبد القادر زعري

إشهار مابين الصورة والمحتوى

بقلم: عبد القادر زعري

ما كاد الزعيم النقابي شباط يتحسس كرسي الأمانة العامة لأقدم حزب سياسي، حتى كشر عن أنياب الانتقام من كل ما يعتقد أنه عدو له، و توالى اللكم المسدد في كل اتجاه و بدون تمييز و بسبب أو بدون سبب. هذه العقلية ليست غريبة عن الحزب العتيد، إليكم الحاضر و الماضي.

قبل صعوده الى سدة الأمانة العامة، طالب شباط بأنه سوف ينادي بتعديل حكومي. و هي طريقة معروفة لحشد تأييد الكوادر المعارضة و المحايدة و التي لا يمكنها طبعا مقاومة هذا الإغراء، و فعلا حصد على تأييد مسؤولين معروفين منهم الشباب الطموح للاستوزار، و منهم من ذاق الحلاوة، حلاوة المناصب، و منهم من لا يهدف إلا التغطية على ما لحق صحيفته من ” شبهات “. الأسماء من الأصناف الثلاث معروفة، تطايرت بها التصريحات و التحليلات و أفواه المتعاركين في المؤتمر الأخير و قبله و بعده. الى هنا فالأمر هو مجرد كلام و وعود.

سلسة اللكمات بدأت بعد تسلم السلط في الحزب، فقد طالب رئيس الحكومة بإجراء بحث وتقصي في حق المكتب الوطني للتكوين المهني، و هو طلب يخفي وراءه الانتقام لصراع سابق لما كان زعيم الحزب زعيما للنقابة كان اشتغل حول تمثيلية النقابة داخل المكتب الوطني، هو إذن انتقام حزبي لصراع نقابي يقوده زعيم يخلط بين الأمور.

نفس الأمر تم مع الخطوط الملكية المغربية. سابقا و في اجتماع لرئيسها ادريس بنهيمة داخل البرلمان، قال الاخير أن حكومة عباس الفاسي هي المسؤولة عن إفلاس الشركة. هذا تصريح جلب لصاحبه الدعوة إلى إرسال لجنة للبحث و التقصي. و كما هو معرف فإن مجرد المطالبة بإرسال هذه اللجان، تضع المسؤول المعني بالتسيير في حيص بيص، خصوصا إن كان له حبل موصول بالشبهات.

مسؤول آخر قصدته نيران الانتقام، و هو وزير هذه المرة، إنه عبد الواحد سهيل وزير التشغيل منتم لحزب التقدم و الاشتراكية الحليف في حكومة هذا الوقت.

اتهمه زعيم الوقت بأنه كان معارضا لتكوين مكاتب نقابية تابعة للاتحاد العام للشغالين بالمغرب، فطالب شباط الان برأسه قربانا أمام القضاء و طالب بالتحقيق معه فيما يعرف بقضية القرض العقاري و السياسي.

وزير آخر، و آلة الحصاد لا تميز، طالب زعيم الاستقلال بطرده رفقة زميله سهيل من الحكومة، و هو وزير الصحة الحسين الوردي، هذا الوزير الحالي سمح بتنوير البعض بما وقع من ” أمور” أثناء فترة ياسمينة بادو. و ما شجعه على المطالبة بطرد الوزير، نجاحه في طرد الكاتب العام للوزارة. الوزير الوردي و الوزير سهيل هما المعنيان المباشران بمسألة التعديل الحكومي، على الراجح و المشهور لدى المقربين من زعيم الحزب.

زعيم الحزب العتيد كما هو معروف رجل ألف الصراعات و لعبة الصراعات و اصطناع الصراعات و جني الأرباح من كل ذلك. حياته في ظل النقابة و الحزب كلها معارك، و عليه أراد ختم مساره السياسي أو بالأحرى ختم مسار و فتح مسار بالضربة الكبرى، ضربة التعديل الحكومي، الضربات الصغيرة الانتقامية لم تعد تشف فلم لا يجرب ضرب الحكومة رأسا، و هي المنهوكة أصلا بواقع غموض الدستور و شح الصلاحيات و خنادق المقاومة. لنعد الى التعديل الحكومي و مذكرته المبعوثة الى رئيس الحكومة، هذه المذكرة يقول عنها زعيم استقلالي اخر مقرب و قريب من أدمغته، عبد الواحد الفاسي : إنها شخصية غير ملزمة للحزب على بنكيران أن يتجاهلها، لأنها لا سند لها  و لا مسوغات و فيها ” قلة أدب ” الأسبوع 10/01/2013 المهم أن الهاجس لا هو الصالح العام، و لا هو رغبة الشعب و لا هم يحزنون. الأمر انتقامات شخصية و حسابات ضيقة، و معارك هامشية تزيد الأمة جروحا على جروح، و تقدم الدليل تلو الدليل أن السياسة هي طموحات شخصية مغلفة بشعارات لم تعد طنانة و لا رنانة في عصر سقوط أوراق التوت عن العورات، كل في وقته و كل حينما يقرر الخالق ساعته.

تصوروا سقوط الحكم و السلطة الحقيقين في أيدي أمثال زعيم هذا الوقت، زعيم المعارك و الصراعات و الدسائس و المؤامرات و اكتساح الجموع و التجمعات و إغراقها بالأنصار و التابعين. رجوع محمد الخامس رحمة الله عليه من المنفى و ما تلا ذلك قريب منا. أتدرون ما وقع عقب حصول المغرب على الاستقلال ؟

استفاد الحزب من قربه للملك الراحل، و سقطت كل الإدارات و المناصب بيد عناصر الحزب العتيد. هبة السماء.

اكتملت الخيرات بتعين حكومات بعضها للحزب فيه نصيب وافر، و في أخرى كانت له وحده خالصة ( حكومة 1958) أهم ما فعله قادة ذلك الزمن هو تدشين مسلسل الانتقام من كل خصم منافس، أسس ميليشيات الخزي و العار، جابت المملكة طولا و عرضا تشطب الأرض من كل صوت مخالف من قادة و نشطاء كل من بقايا جيش التحرير الرافض للاستقلال الناقص، و من حزب الشورى و الاستقلال، خصمه في الميدان و جليسه أثناء المفاوضات في اكس ليبان غشت 1955.

فتحت السجون و المعتقلات و الكهوف و السراديب لسلخ البشر و دفن الأحياء و الأموات، لا فرق. كان الحصاد شاملا مثلما هو الشر لا يريح صاحبه إلا إن كان تاما كاملا. عاش المغرب تحت ظلال سوداء تحت حكم زعماء الانتقام و قادة الاستئصال الأعمى. و للحزب رجال فضلاء طبعا، منهم كانت الأحداث تجرى بعيدا عنه، و منهم من غير المنكر بالقلب وحده.

كان الانتقام دمويا خالصا، لا حوار لا إقناع و لا اقتناع، المملكة و الحكم تحت السيطرة فلم الحوار و الاقناع. هل مثل هذا التاريخ الأحمر غير قادر على تخريج قادة يقرأ لاحقيهم صحيفة سابقيهم. الله أعلم بما في الضمائر. لكن عقلية الانتقام من الخصوم هي نفسها تتكرر. الأولى كانت ساخرة و الحالية مهذبة لطيفة، هذبتها صرامة القانون الذي حنكته الأعوام.

لا غرض لنا من الاطلاع على بعض التاريخ، سواء التذكير بأن السياسة ليست هي الوصول إلى السلطة من أجل الانتقام و القصاص من الخصم. السياسة روح رياضية ، تسامح، و نظر إلى الأمام. السلطة خلقها الله لرعاية مصالح العباد، و ليست للابتزاز. و السلطة صاحبها عليه أن يتنزه عن عقلية الانتقام الشخصي و أن يستخدمها للصالح العام، و ليس للأهواء و العنجهيات.

هل كان زعيم الوقت سيسلك سبيل السابقين لوسقطت في يديه أمور البلاد ؟ أو لا أمور البلاد لم تعد منذ ذلك الزمن في متناول أي طرف سياسي. أمن البلاد و العباد في أيدي بعيدة عن الحساسيات و الصراعات. هي محايدة لا تخضع إلا للملك  أو إحدى مقربيه.

ثانيا ما يمكن أن يحصل من جراء هذا التوجه الانتقامي لصاحبه، هو الزيادة في عزلة الحزب الذي يرأسه. فهو لا يعرف عدوا و لا صديقا و لا حليفا، و مثل هذا الصنف لا تحتار الدوائر المسؤولة في طريقة قيادتهم إلى السكة السليمة. الشئ الذي يعطينا مشهدا سياسيا يتآلف فيه القادة من كل صنف و نوع، متنافرون لكن تجمعهم ” الظروف “، هذه ” الظروف ” عالم خاص يوجد مهندسوها و اختصاصيوها.

صحيح أن هذا المعطى مناقض للديمقراطية الحقيقية لكنها تجد شرعيتها في اهتراء الممارسة السياسية لدى قادة و زعماء المشهد الحزبي، و انعدام فعالية الظاهرة بسبب أزمات ذاتية و موضوعية تتخبط فيها الأحزاب السياسية.

و هو ما حول الفاعلين الحزبيين إلى صفوف في قاعة الانتظار، لا تبادر و لا تجتهد بل جالسة تنتظر. تنتظر الملك و مبادراته و معونة الدولة و دعم خزينة الدولة.

الحقيقة هي أن الزعامات الحالية لم تعد تملك أي خيار إلا خيار الانبطاح التام أمام أركان المخزن. و ما هذه المناورات و المراوغات و الفقاعات الهوائية التي نرى إلا دليل على دوران الزمن في الفراغ، و توقف العربة عن السير، و التسلي بشغل الرأي العام في مسرحيات رذيئة الإخراج.


ads after content
شاهد أيضا