الاخطاء الاقتصادية لحكومة بنكيران الاولى – د.عبد الرحمن الصديقي

مستجدات

  • ...
ads980-250 after header


الإشهار 2

الاخطاء الاقتصادية لحكومة بنكيران الاولى – د.عبد الرحمن الصديقي

إشهار مابين الصورة والمحتوى

بقلم: د. عبد الرحمن الصديقي (*)

على بعد ايام قليلة من عمر حكومة بنكيران الاولى, الحكومة السياسية التي يتزعمها حزب العدالة والتنمية, والتي كان يعول عليها المغاربة أن تكون الجسد الذي يعطي لروح دستور 2011 كل افاقه وتطلعاته, لا زال المغرب الاقتصادي يتعثر ولم يجد لنفسه ذلك التوجه الذي من شأنه أن يعطيه المكانة التي بدأ يفقدها بين الامم (اقتصاديا طبعا). فبعد أن تم الاستغناء على اعتبار المغرب بلدا صاعدا Emergent في تصنيف  Morgan Stanley Country Index (MSCI)  وهي المكانة الي استطاع الوصول اليها بعد جهد وتضحيات كبيرة في الميدان المالي والاقتصادي, ها هو اليوم يخسر كذلك سبع نقط في التصنيف العالمي للتنافسية الاقتصادية (الذي يصدره  World Economic Forum محتلا الصف 77 بعد أن كان يحتل الصف 70, سنة قبل ذلك). هذا في وقت لا يستطيع اقتصاده تحقيق التنمية المطلوبة للوصول الى الرفاهية المجتمعية المنشودة, عبر خلق فرص العمل الضرورية, مفتاح التنمية. فلولا السنة الفلاحية الجيدة وتحويلات العمال المغاربة بالخارج (الرقمين الايجابيين الوحيدين في اقتصاد هذه  السنة, وهم رقمين خارجين عن ارادة وقرارات الحكومة)لكانت الوضعية اسوء مما هي عليه الآن.

لماذا فقد اقتصادنا بريقه ؟ ما هي الاخطاء التي ارتكبتها الحكومة في هذا الزمن الطويل اقتصاديا (القصير سياسيا) ؟ الم تكن حكومتنا ضحية كلامها الكثير (بما في ذلك القوانين ومشاريع القوانين والتصاريح والجدال السياسي العقيم) وعملها القليل  لبلورة روح المقاولة وخلق الدينامية المفقودة ؟ لماذا تم التركيز كثيرا عن اقتسام الثروة (المفقودة اصلا) عوض العمل على بناء محيط انسب لخلقها؟  

عدم ادراك مسألة الزمن

الكل يعرف أن زمن الاقتصاد هو قصير جدا مقارنة بالزمن السياسي او الزمن البيولوجي أو غيره من الازمنة. فبعد ما يقرب من السنتين من “تقرقاب الناب” في الاصلاح والفساد والعفاريت والريع وغيرها من المواضيع, من دون أن نعرف “راس الخيط” (كما يقال في الدارج المغربي). هجرت الاستثمارات المغرب في اتجاه دول اخرى بما فيها الرساميل المغربي الذي اتجه نحو دول غرب افريقيا كالكوت ديفوار والكونكو وغيرها, وهي الدول التي أعطته امتيازات أكثر وظروف خلق للثروة أحسن.

ثمان أشهر منذ تفجير الازمة السياسية بالبلد جعلت الفاعلين الاقتصاديين يترقبون وينتظرون قبل تقرير مصيرهم. وكل هذا الزمن الضائع يعتبر هدر للثروة ولمناصب عمل والأجور ووو. ثمان أشهر من الجمود الاقتصادي الذي عبرت عنه ارقام معاملة ضعيفة جدا في سوق البورصة بالدار البيضاء. لأن حكومات نصريف أعمال وحكومات الاقلية (كما هو الشأن بالنسبة للحكومة الحالية) غالبا ما لا تطمئن المستثمرين. 

ماذا بعد نشر لوائح المستفيدين من “لاكريمات” وامتيازات المقالع ؟ لا شيء. وماذا عن التشهير بمن نهبوا البلاد والعباد؟ لا شيء طبعا, غير تبردير الزمن وفرار مبالغ مهمة من الراسميل الغير مهيكل من البلد مساهما في خنق الاقتصاد الوطني أكثر من خلال تغييب السيولة.

جدال خلق الثروة واقتسامها

ان جدال خلق الثروة واقتسامها هو جدال قديم متجدد. واغلب الاديان والاقتصاديين يؤكدون على ضرورة خلقها اولا لإمكانية اقتسامها ثانيا. والا فان القسمة لن تشمل الا الفتات الذي لا “يطعم ولا يغني من جوع”. الم يمجد الاسلام العمل في قوله تعالى ” وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ” وألم يوصينا رسول الله (ص) بأن نقضي أمورنا في الكتمان. اما أروبا الكاثوليكية فإنها لم تستطع ان تنهض وتتقدم إلا من خلال تمجيد العمل بعد الإصلاحات البروتستانتية والكالفينية القائمة عى تقديس العمل (وليس عبثا ان تقسم اوروبا في بداية القرن الماضي بين اوروبا البروتستانتية الصناعية المتقدمة القائمة على تمجيد العمل في الشمال وأوروبا الكاثوليكية الغائية اللاتينية المتخلفية في الجنوب). نفس الامر تنبه اليه آدم سميت في وقته حين ابتدأ كتابه الشهير “اسباب ثروة الامم” بمقدمة تبتدأ بكلمة “إن  العمل–بوقع التأكيد طبعا-” وليس ” الكلام”. أما لينين لما طرح سؤاله في مؤلفه الشهير “ما العمل؟”, فانه اجاب بان في سؤاله نصف الجواب. وكان يعني ايضا “العمل”.

كينز بدوره ركز على تدخل الدولة (ليس فقط كمحفز) بل كفاعل (عامل) في الاقتصاد الوطني حتى يستطيع توفير افضل الشروط للاقتصاد ويصل بذلك الى مستويات قادرة على تحقيق الرفاهية المجتمعية من خلال الاستثمار العام (ولا حاجة للتذكير هنا بقرار سحب الحكومة الحالية 15 مليار كاستثمار عام من ميزانية 2013 وهي النقطة التي افاضت الكأس مع الاستقلاليين بحكم طبيعة هؤلاء الطبقية –البرجوازية الوطنية والمستفيد الاول من الطلب الداخلي الناتج عن ارتفاع الطلب بفعل توزيع الاجور-).

 أمام عدم القدرة على خلق دينامية في الاقتصاد لم تجد الحكومة الحالية اذن فائض –لغياب الثروة- تغذي به عملية اقتسام الثروة, رغم تواضعها ببلدنا. فكانت النتيجة التي نعرفها جميعا: تزايد عجز الميزانية من 5.5 %  سنة 2011 الى اكثر من 7% هذه السنة.

اما القرار الاخير بالزيادة في اثمان المحروقات فلن ولن يزيد الامر الا تفاقما وتعقيدا, لكون الحكومة اعتمدت المنطق المحاسباتي ونسيت تنافسية منتوجات اقتصادنا (كما بينت ذلك في مقال سابق) وما سيكون له من أثر سلبي على خلق الثروة بالبلد. خير دليل على ما اقول, تراجع تزايد الطلب الداخلي, الذي يعتبر المحرك الاساسي للنمو بالمغرب خلال السنوات المنصرمة,  ب 2.7 نقطة من تزايد قدر ب 5.7 % سنة 2011 الى تزايد قدر ب 3% فقط هذه السنة (حسب احصاءات بنك المغرب). أما سوق الشغل فتزايده كان سالبا لأول مرة في تاريخ البلد منذ 1999 (اسوء من سنة 2005 حيث لم يخلق الاقتصاد الوطني سوى 42000 منصب عمل في السنة – دائما حسب نفس المصدر). ولولا تراجع  نسبة النشيطين (الذين جمدوا طلباتهم وانسحبوا من احصاءات طالبي الشغل, بفعل قلة فرص العمل) لأرتفع معدل البطالة الى درجات قياسية.   

الخلط بين اللعبة الاقتصادية واللعبة السياسية

الخلط بين المسؤوليات المؤسساتية والالتزامات والقناعات الشخصية, والتي بدأت منذ وصول بنكيران الى رئاسة الحكومة. فكلنا يتذكره وهو يخطب في اقتصاديي العالم في دافوس (اكبر ملتقى اقتصادي عالمي يعقد كل سنة ببلدة دافوس السويسرية) وهو يقول لهم “أنا لن اجالس شارب الخمر”. واذا كان هذا الخبر قد مر في وقته من دون أن يسيل كثير من المداد, فان هذه الفعلة والقولة وفي ذاك المكان بالذات غالبا ما تكون لها تداعيات وانعكاسات سلبية وخطيرة على اقتصاد رئيس وزراء دولة تحدث على رأي شخصي في مكان رسمي ونسي أنه يمثل اقتصاد أمة بكاملها. وكانت الحكمة تكمن في الاحتفاظ بالرأي الشخصي للمقامات الشخصية والتفرغ كليا لتحقيق الهدف الذي ذهب اليه الى ذلك المقام.

 نسي رئيس الحكومة بان عالم الاقتصاد يتأثر كثيرا بإشاعة صغيرة وعسى تصريح من هذا النوع في زمن يرتجف فيه الغرب والشرق من كلمة “التطرف”. نفس الخطأ ارتكبه الوزير في الخارجية مؤخرا بنيويورك الذي “انصرف قبل أن يتم عشاءه” حتى لا يصافح … في “موسم حج الامم المتحدة” والذي تتابعه بكثير من الاهتمام وسائل الاعلام وصانعي القرار الاقتصادي والسياسي في العالم.   

غريب كذلك أن يتم التضحية بالاقتصاد لأهداف سياسية. وأن يتم (في مغرب 2013 ودستور 2011 الذي ينص صراحة على الحق في الاعلام وحق تساوي الفرص) تبرير تغييب اكبر نقابة للباطرونات في البلد من لقاء قوة اقتصادية وازنة بالسبب المادي (اغفال ارسال الدعوات), عند زيارة اردوكان الاخيرة للبلد في حين لم يتم اغفال ارسالها للباطرونات الآخرين المقربين من الحزب. والكل يعلم بقية الخبر : فشل الزيارة وفقدان عدة صفقات مع قوة اقتصادية مهمة هي تركيا التي تشبه بصين البحر الأبيض المتوسط والتي فظلت الجزائر على المغرب في توجيه استثماراتها.

نفهم ونتفهم (كاقتصاديين وليس كسياسيين) لماذا ظلت الاستثمارات المهيكلة الكبرى وكذا جانب التنمية الاجتماعية بالبلد تحت رعاية صاحب الجلالة حتى لا تسيس بدورها وتفقد كل مصداقية أمام الشركاء الاقتصاديين.    

غياب التجربة والخبرة

حكومة تشكي حالها وهي في مركز القرار وكأنها لا تزال في كرسي المعارضة, يعطي صورة متواضعة عن القائمين على امور البلد ويسيئ بالصورة الماركتينية للبلد ومن الكاريزما التي يجب ان يتحلى بها الزعماء وتخل بالمؤشرات الكيفية المحددة لتوجيه الاستثمارات.

أما  الناطق الرسمي باسم الحكومة فان تسرعه وقلة خبرته كلفا خزينة الدولة أكثر من 100 مليون دولار في ظرف 3 دقائق (حسب ما أكده الوزير محمد نجيب بوليف أمام احدى لجن البرلمان) في تصريح لا يعلم تفاصيله ولا حيثياته وما كان له أصلا أن يقربه.

أما قضية “الساعة الزايدة-ناقصة” فلم تتعامل معها الحكومة كذلك بحكمة وتبصر. صحيح اننا كنا جميعا ضحية الساعة التي تأخرت يوم الاحد الاخير من شتنبر بشكل اوتوماتيكي في هواتفنا الذكية وفي حواسيبنا. ولكن من دون خسارة كبيرة اللهما موعد تم التأخر عنه بسبب عدم اشتغال المنبه في الوقت. أما في لغة الاقتصاد فيجب أن تكون هناك دراسة علمية لتبين كم رحلة الغيت وكم رصيف للطائرات وللبواخر تم حجزه لمدة معينة (لأن العملية تتم قبل عدة ايام من الموعد المحدد) وزادت المدة لساعة من الزمن والزمن في الاقتصاد يعني تكلفة « Time is money » . وكم رجل اعمال فقد صفقة عمره لأنه وصل متأخرا عن موعد رحلة  الطائرة لان منبهه خانه. وكم عامل فقد عمله لأن رب عمله لم يفز بتلك الصفقة و…

في نفس السياق لم يكن تصارعها مع مؤسسات الدولة التي تديرها كالمندوبية السامية للتخطيط (اكبر جهاز تقني يرصد الحركة الاقتصادية والاجتماعية بالبلد كما هو الشأن في الدول المتقدمة على غرار INSEE بفرنسا مثلا) ليخدم المسألة الاقتصادية بالبلد خاصة من حيث مصداقية معطياته الاحصائية أمام الدائنين والمنظمات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك العالمي وغيرها.

أما خرجة الجواهري الاخير فقد كانت خرجة الحكيم « le sage » المجرب والمدرك لوقع التصاريح السياسوية على السوق الاقتصادي والمالي فحاول أن يعيد مصداقية (اقتصادية ومالية) اصبحت مهزوزة وينقذ ما يستطيع انقاذه. فحتى وان تبرأ من عمل الحكومة لكونه لم يتم استشارته في مسألة المقايسة, رغم كون بنك المغرب يعتبر مؤسساتيا مسؤولا مع الحكومة على تطبيق جزء من السياسة الاقتصادية للبلد, وأقصد السياسة المالية, من خلال السهر على ضمان تمويله والعمل على سن سياسة مالية مترجمة للسياسات الاقتصادية الاخرى التي تدخل في اختصاصات الحكومة. حاول الجواهري إذن أن يطمئن الاسواق خدمة لمصلحة البلد, فحرس على أن لا يقدم الامر بشكل مأساوي (في ندوته الصحفية, الندوة الصحافية فقط أما التقرير فيقول غير ذلك في إحصاءاته).  

الكلام الكثير

فهمنا مما سبق بأن كثرة الكلام تتنافى ومبدأ العمل رمز الثروة. أما الوعد والوعيد فإنهما جعلا السيولة تختفي من السوق المغربي. غريب كيف اختفت السيولة من الابناك المغربية في سرعة البرق متجهتا نحو اوروبا في اكبر عمليات تهريب في تاريخ المغرب وفي اتجاه افريقيا وكذلك في اتجاه الصناديق الفولاذية بالمنازل والمحلات الشخصية لغياب الثقة, معطلة بذلك الاقتصاد الوطني. لأن الحكومة هددت (ولم تفعل) بفرض ضريبة على الثروة. لم تستفد في ذلك من التجربة الفرنسية : ففي الوقت الذي كانت فرنسا تفرض فيه الضريبة على الثروة كان رئيس الوزراء البريطاني يصرح (ردا على الرئيس الفرنسي) “سأقوم بنفسي ببسط الزرابي الحمراء لأصحاب الثروة الفرنسيين اذا قدموا عندنا”. ان ذلك ممكنا في ظل حالة العولمة الحالية. كما لم يستفد الرئيس الفرنسي هولاند من خلفه الاشتراكي ميتران الذي كان قد طبق سياسة مثيلة في 1981 (في نشوة وصوله الى الحكم) فكانت الكارثة التي لم يستطع الاقتصاد الفرنسي أن يخرج منها الا بعد عقد ونيف من الزمن.

يجب على حكوماتنا أن  تعي جيدا بأن زمن الدولة-الوطنية Etat-Nation قد ولى وأن عمر الكلام قصير أما عمر العمل فطويل وأننا لسنا لوحدنا في الحلبة وأننا نعيش اليوم زمن العولمة وزمن المعلومة hypertexte (حسب تعبير ادكار موران) وزمن السرعة وزمن موت السياسة والإيديولوجيا. ما أحد يستطيع لوحده أن يسير ضد التيار وما أحد يستطيع أن يستفيد الا اذا استفاد معه الجميع. بل أكثر من ذلك (وهنا تكمن الحكمة الاجتماعية لأب الاقتصاد السياسي آدم سميت)  الكل يستفيد أكثر باستفادة الجميع (l’égoïsme à la base d’altruisme) أكثر عكس المنطق المركنتيلي الذي كان يقول بأنه لن يربح فلان الا ما خسره علان.
saddiki@gmail.com*


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا