تونس؛ درس للجميع
إعلان على اليمين 160×600
إعلان على اليسار 160×600



الإشهار 2

تونس؛ درس للجميع

إشهار مابين الصورة والمحتوى

بقلم : خالد الرابطي

بعدما قضى ثلاثة وعشرون سنة في الحكم، رأى زين العابدين بن علي أخيرا أن الوضع في تونس يفرض تغييرا عميقا، وقال بالحرف «وأنا فهمتكم.نعم فهمتكم. فهمت الجميع. البطال، والمحتاج، والسياسي، والذي يطالب بمزيد من الحريات…» في خطاب ظهر فيه للعيان مخلوعا لا محالة. مخلوعا بمفهوم الكلمة في سياقيها العربي والعامي.

 ظهر بن علي مخلوعا أي زائلا من منصبه، ومخلوعا أي مرعوبا من الأوضاع التي انفجرت في الشارع بوتيرة فاقت كل التوقعات. فالقابض على الحكم في تونس البوليسية، ظهر وكأنه يتوسل إلى الشعب راجيا منه فرصة أخرى لمعالجة الجراح التي أدملتها كروسة البوعزيزي، فكانت الشرارة الأولى التي ألهبت الشارع لتحوله إلى مسرح لثورة شعبية هي الأولى من نوعها في العالم العربي، حيث لم يسبق لشعب أن أسقط نظاما هكذا دون أي انقلاب مرضي كان  كما حصل مع الرئيس بورقيبة، أو أهلي كما حدث في قطر حينما انقلب الابن على الأب، أو عسكري على غرار ما وقع بموريتانيا.

إن الذين يتناولون موضوع أحداث تونس وما أعقبها من الإطاحة ببن علي ورموز الفساد المقربين منه ،إلا ويحذرون من مغبة انتقال العدوى (أي الثورة) إلى بعض الدول العربية، وخصوصا الجزائر ومصر، للتشابه الحاصل في بعض من جوانب الحكم وتحديدا فيما يتعلق بقمع الحريات والسيطرة على النظام من قبل حزب دون غيره، مع التفكير في توريث كراسي الرئاسة، غير أنني أرى أن الحدث هو درس ليس للحكام فقط. بل لكل من يتولى أمرا من أمور المواطنين ،بدءا من أعوان السلطة وحتى الوزير الأول، ليعلموا أن المناصب لا تدوم لأحد، وليأخذوا العبرة من الذين ظنوا في يوم من الأيام أنهم خالدون فيها، ليجدوا أنفسهم في لحظة معلقين في الهواء غير مرغوب فيهم، حتى من الذين كانوا يصفقون لهم بالأمس. والأمثلة كثيرة امتلأت بها مزبلة التاريخ التي لا ترحم كل من ظن أنه يملك أمره، فتدون الذل والهوان الذي صار إليه بعدما سخرت منه الدنيا ولفظته.

ولا يخفى على أحد أن أحداث تونس قد ألقت بضلالها على غيرها من الدول العربية مما دفعها إلى اتخاذ بعض التدابير الاحترازية تجنبا لانفجار الشارع. وهكذا صدرت أوامر للأجهزة الأمنية المغربية بتجنب الاحتكاك مع المواطنين أثناء الاحتجاجات، وتعزيز التواجد الأمني في المواقع الحساسة، والتعامل بمرونة مع الباعة المتجولين… إلا أن التدابير الحقيقية التي ينبغي اتخاذها هي تجنب الجرح لا علاجه.

فالمواقع الحساسة كثيرة، واحتمال الاحتجاج بها وارد كل ساعة وكل لحظة، نظرا لتردي الخدمات بها. وهنا أذكر بما حدث بمستشفى محمد الخامس، حينما توقف المصعد فجأة وبداخله مريض خرج للتو من غرفة العمليات وبصحبته بعض الممرضات، ومكوثهم به لأزيد من ساعة، إلى حين تمكن تقني المستشفى من إعادة تشغيله بعدما كاد الجميع يختنق.

وبمناسبة الحديث عن هذا المستشفى الذي أسال مدادا كثيرا. فهو وحده يوازي كل المواقع الحساسة التي يمكن أن يصدر عنها احتجاجات محتملة. وعوض أن نكثف من التواجد الأمني به، فلنفكر في تكثيف التواجد الطبي و ألاستشفائي، والتعامل مع المرضى بلطف حتى لا يحسوا أنهم في في مخفر للدرك. أضف إلى ذلك التعامل الذي يلقاه المواطنون بمفوضيات الأمن أثناء القيام بعمليات تغيير البطاقات الوطنية ،وما يصاحبها من صعوبة انجاز بعض الوثائق والاكتظاظ في طوابير يتخطاها بعض المحظوظين ممن تربطهم علاقات مع بعض الموظفين في إدارة الأمن، إلى جانب بعض السلوكيات المشينة والتي يشتكي منها المواطنون باستمرار، كما هو حال جل الإدارات العمومية. كما تعتبر المؤسسات التي فوض إليها تدبير بعض القطاعات، من أهم النقاط الحساسة التي يجب معالجتها وليس حمايتها بالتواجد الأمني، وأعني بالخصوص شركة   أمانديس التي صارت شوكة في حلق المواطنين، تدميه كلما توصلوا بفاتورات تذهب بنصيب غير بسيط من أجرهم الزهيد.

إن التدابير الاحترازية التي يجب اتخاذها هي إرضاء المواطن والتعامل معه على أساس أنه صاحب حق. وهذه مسؤولية المؤسسات العمومية و المنتخبة والقائمين عليها من مستشارين ورؤساء مقاطعات وعمداء وبرلمانيين ووزراء، فهم زائلون لا محالة كزوال من سبقوهم، وسيقول لهم المواطنون يوما احملوا أسماءكم وانصرفوا، عبر صناديق الاقتراع التي دخلتم منها، واخرجوا من ذكريات الذاكرة، أيها المارون بين الكلمات العابرة.


الإشهار بعد النص
شاهد أيضا
عداد الزوار