على الواجهة البحرية لأصيلة، تمنح الأشغال الحضرية الجديدة المدينة صورة أكثر ترتيبا قبل حلول الصيف. مقاه تعيد ترتيب كراسيها، محلات صغيرة تنتظر زوار الموسم، وشقق مفروشة تستعد لحركة كراء قصيرة لا تدوم سوى أسابيع، لكنها تكفي كل سنة لكشف هشاشة التدبير اليومي في مدينة ما زالت تعيش على رصيد سياحي وثقافي أكبر من إمكاناتها.
غير أن الواجهة المحسنة لا تحجب شعورا يتكرر في أحاديث سكان ومهنيين. فأصيلة، في نظر كثيرين ممن خبروا مواسمها، لم تعد تجذب كما كانت.
ومع غياب معطيات محلية مفصلة حول ليالي المبيت والوافدين، يتكرر هذا الانطباع في أحاديث مهنيين وسكان، يربطون تراجع الجاذبية بفوضى الكراء الموسمي، وصعوبة الولوج المنظم إلى الشواطئ، ومشاكل مواقف السيارات، وتذبذب النظافة، وضعف مراقبة الفضاء العام خلال أسابيع الذروة.
وهذه السنة، لا يأتي الصيف وحده. فالمدينة تدخل موسم الاصطياف على بعد أسابيع من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، ما يحول الشاطئ والشارع والمقهى والواجهة البحرية إلى مقياس مبكر للحصيلة المحلية، ولقدرة النخب السياسية على تجاوز خطاب الصورة الجميلة نحو سؤال أكثر إلحاحا: من يدير يوميات أصيلة؟
واجهة لا تكفي
في الشوارع القريبة من البحر، لا تزال المدينة تحتفظ بالكثير من أناقتها البصرية. الجدران البيضاء، الأزقة الضيقة، الأبواب الزرقاء، والبحر الذي يظهر في نهاية بعض الممرات، تمنح الزائر انطباعا بمدينة هادئة، صغيرة، قابلة للتجول بلا عناء.
لكن هذا الانطباع يتغير بسرعة عند أول احتكاك بموسم الصيف: ركن مرتبك، شقق تؤجر خارج أي تصور منظم، فضاءات عمومية تستعمل فوق طاقتها، وخدمات جماعية تجد نفسها أمام طلب أكبر من حجم الساكنة الدائمة.

يقول زائر يتردد على أصيلة منذ سنوات إن المدينة فقدت جزءا من هدوئها، مضيفا أن المشكلة لم تعد في عدد الزوار فقط، بل في نوعية التجربة التي يجدها الزائر حين يصل.
ويتحدث عن كراء عشوائي، وصعوبة في الركن، ونظافة لا تواكب الحركة، قبل أن يضيف أن أصيلة ما زالت جميلة، لكن الجمال وحده لم يعد كافيا.
على مقربة من وسط المدينة، يختصر صاحب محل تجاري الوضع بعبارة أكثر قسوة. يقول إن الموسم الصيفي صار قصيرا ومضغوطا، وإن الحركة التي كانت تسمح بتعويض ركود أشهر طويلة لم تعد تترك الأثر نفسه.
بالنسبة إليه، لا تكمن المشكلة في ضعف الإقبال فقط، بل في غياب تنظيم يجعل الزائر يبقى أكثر، وينفق أكثر، ويعود لاحقا. ويضيف أن المدينة تعيش على شهر أو شهرين، ثم تعود إلى ركود طويل.

ولا يبدو هذا التراجع مجرد انطباع مهني. فقد سبق للنائبة البرلمانية قلوب فيطح أن ساءلت وزارة السياحة حول مآل اتفاقية التثمين السياحي لأصيلة، المرتبطة بإعادة تأهيل المعالم الأثرية والساحات العمومية والبنايات العتيقة، بكلفة إجمالية تبلغ 10 ملايين درهم، منها ثلاثة ملايين درهم كمساهمة وزارية، وبأجل إنجاز محدد في 36 شهرا.
ويمنح هذا الملف بعدا مؤسساتيا للنقاش حول جاذبية المدينة، إذ لا يتعلق الأمر فقط بتراجع رواج موسمي، بل بتأخر مشاريع كان يفترض أن تعزز قدرة أصيلة على ترميم صورتها السياحية وتحويل رصيدها الثقافي إلى عرض حضري أكثر انتظاما.
أرقام تضيق الهامش
داخل هذا النقاش، لا تبدو أصيلة مدينة كبيرة بالأرقام. فقد بلغ عدد سكان جماعتها 36 ألفا و39 نسمة وفق الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، مقابل 31 ألفا و147 سنة 2014.
لكن عدد الأسر ارتفع خلال الفترة نفسها من 7 آلاف و947 إلى 9 آلاف و745 أسرة، في مؤشر على تحول سكني وعقاري لا يظهر دائما في الصورة السياحية للمدينة.
هذا التحول يجعل الضغط الصيفي أكثر وضوحا. فالسكان الدائمون ليسوا وحدهم من يستعمل الشوارع والمرافق والشاطئ. هناك زوار اليوم الواحد، والمصطافون، وأصحاب الإقامات الموسمية، ومئات الشقق التي تدخل دورة الكراء خلال الصيف، من دون أن ينعكس ذلك دائما في مؤشرات مالية واضحة داخل ميزانية الجماعة.

وتكشف ميزانية جماعة أصيلة لسنة 2026 حدود هذا الهامش. فالحجم الإجمالي للميزانية يبلغ نحو 66 مليون درهم، منها حوالي 54 مليون درهم مخصصة للتسيير، بينما يسجل جزء التجهيز في التلخيص العام صفرا، مقابل 11 مليون درهم ضمن الحسابات الخصوصية.
وبذلك تبدو الجماعة أقرب إلى إدارة اليومي منها إلى تمويل تحول حضري قادر على مرافقة مدينة تطمح إلى استعادة موقعها السياحي.
وتعتمد الجماعة على حصة الضريبة على القيمة المضافة بنحو 25 مليون درهم، فيما لا يتجاوز الرسم المفروض على الإقامة في المؤسسات السياحية 135 ألف درهم. رقم صغير في مدينة يرتبط اسمها بالصيف والبحر والإقامات الموسمية، ويكشف الفارق بين صورة الوجهة وما يدخل فعليا إلى مالية الجماعة من قنوات سياحية مباشرة.

وتتقاطع هذه المحدودية المالية مع ملفات يومية سبق أن وصلت إلى البرلمان. ففي سؤال كتابي إلى وزير الداخلية، نبهت فيطح إلى انتشار الباعة المتجولين والتجارة غير المهيكلة بعدد من شوارع أصيلة، ولا سيما في محيط شارع الحسن الثاني والسوق البلدي القديم، داعية إلى التفكير في أسواق نموذجية تحفظ كرامة الباعة وتضمن النظام العام ونظافة الفضاءات وحركة السير.
كما سبق لها أن قدمت أصيلة مثالا على المدن الصغيرة غير المؤهلة في تدبير النفايات، مشيرة إلى حرق النفايات بجنبات المدينة، في مشهد يختصر هشاشة مرفق بيئي يزداد ضغطه مع حلول الصيف.
بالنسبة إلى سكان محليين، يظهر هذا الفارق في تفاصيل يومية لا تحتاج إلى أرقام كثيرة: نظافة تتراجع عند الذروة، ضغط على بعض الشوارع، إنارة تحتاج إلى صيانة، فضاء عام يستعمل أحيانا بلا قاعدة واضحة، وشاطئ يتحول كل صيف إلى اختبار مفتوح بين السلطات والجماعة والمهنيين والمصطافين.
يقول أحد السكان إن أصيلة ليست مدينة مهملة، لكنها متروكة لردود الفعل الموسمية. ويوضح أن الاجتماعات والتحضيرات قبل الصيف لا تكفي ما دامت المشاكل نفسها تعود كل سنة، من السير إلى النفايات، ومن الكراء إلى احتلال بعض الفضاءات. ويضيف أن الساكنة لا ترفض استقبال الزوار، لكنها تريد مدينة منظمة لا تختنق كلما اقترب الصيف.
ولا يقف النقاش عند حدود الشاطئ والكراء والنظافة. ففي مداخلات وأسئلة برلمانية متفرقة، حضرت أصيلة أيضا من بوابة الصحة والماء والمرافق الأساسية.
فقد أثارت فيطح وضع المستشفى المحلي، خصوصا ما يرتبط بغياب بعض التخصصات، وتنقل نساء من أصيلة وجماعات محيطة نحو طنجة أو العرائش من أجل خدمات صحية يفترض أن تكون أقرب.
كما ساءلت وزارة التجهيز والماء عقب انقطاع الماء عن أصيلة وجماعات مجاورة بسبب عطب في القناة الرئيسية، مطالبة بتدخل تقني يضمن استمرارية التزويد في منطقة يزداد الضغط عليها خلال الصيف.
مطلب لا يغيب
وأمام هذا العجز المالي والهيكلي، يعود إلى الواجهة مطلب إحداث عمالة بأصيلة، لا بوصفه شعارا معزولا، بل كتعبير عن شعور محلي بأن المدينة تحتاج موقعا إداريا أقرب إلى حاجياتها.
وفي تصريحات سابقة لطنجة 24، اعتبرت النائبة البرلمانية قلوب فيطح أن إعادة النظر في الوضع الإداري الراهن ضرورة واقعية واستراتيجية، داعمة إحداث عمالة تضم أصيلة وجماعات من محيطها، مثل أقواس بريش والساحل الشمالي، بما من شأنه تقريب الإدارة من المواطنين وتسريع وتيرة المشاريع العمومية.

واستندت فيطح في موقفها إلى تطور سكان الجماعة من 28 ألفا و217 نسمة سنة 2004 إلى 31 ألفا و147 سنة 2014، ثم 36 ألفا و39 سنة 2024، معتبرة أن هذه الدينامية العمرانية والاجتماعية تستدعي تأطيرا إداريا ملائما.
لكن مطلب العمالة لا يبتلع النقاش. فحتى المدافعون عنه يربطونه، في الغالب، بحاجة المدينة إلى إدارة أقرب وقرار أكثر التصاقا بحاجياتها، لا بمجرد تغيير الاسم الإداري.
ويرى فاعلون محليون أن أصيلة تحتاج قبل ذلك إلى تصور واضح للسياحة، والكراء الموسمي، والشاطئ، والنقل، والفضاء العام، حتى لا يتحول أي وضع إداري جديد إلى غلاف مؤسساتي لمشاكل قديمة.
وتحمل هذه المطالب بعدا سياسيا واضحا مع اقتراب التشريعيات. فالمدينة التي ارتبطت لعقود بصورة ثقافية صنع جزءا كبيرا منها الراحل محمد بن عيسى، تجد نفسها اليوم أمام سؤال ما بعد الصورة.
فلم يعد الموسم الثقافي، ولا الجدران المزينة، ولا الذاكرة الجميلة، كافية لإقناع جيل يسأل عن الشغل، والسكن، والخدمات، والقدرة على جعل المدينة قابلة للعيش طوال السنة لا خلال أسابيع الصيف فقط.
في المقاهي، يتسلل الحديث عن الانتخابات من بوابة اليومي لا من بوابة البرامج. من ينظف؟ من ينظم؟ من يراقب؟ من يجلب الاستثمار؟ من يدافع عن موقع أصيلة داخل عمالة تهيمن عليها طنجة بحجمها السكاني والاقتصادي والإداري؟ أسئلة بسيطة في ظاهرها، لكنها تختصر جزءا من مزاج مدينة لا تصرخ كثيرا، لكنها تراكم أحكامها في تفاصيل صغيرة.

وعلى أبواب هذا الصيف الانتخابي، تبدو أصيلة عالقة بين صورتين. صورة مدينة جميلة يعرفها الزوار وتحبها الكاميرات، وصورة أخرى يعرفها السكان حين تغادر الوفود والمصطافون وتعود الأزقة إلى هدوئها الطويل. وبين الصورتين، تتحرك نخبة سياسية مطالبة بأكثر من استدعاء الماضي أو تكرار الوعود.
فالصيف سيمر، كما مرت مواسم كثيرة قبله. لكن ما سيتركه خلفه من نظافة أو فوضى، من رواج أو ركود، من تنظيم أو ارتجال، قد يدخل هذه المرة إلى صناديق شتنبر. في أصيلة، لم يعد السؤال عن جمال المدينة. السؤال عمن يدير يومياتها.







