خلف الواجهة البراقة للمشاريع الكبرى التي تعيد رسم ملامح مدينة طنجة، تتوارى مأساة صامتة في الأزقة الخلفية. هناك، يعيش مئات القاصرين على هامش الحياة، تتنازع مصائرهم قسوة الشارع ومحاولات مجتمع مدني يسعى لانتشالهم من الضياع.
غير أن هذه الجهود تصطدم بواقع مرير، حيث تتبدد مساعي الإدماج أمام تعقيدات إدارية ونقص في البنية التحتية، إلى جانب جاذبية الضفة الأوروبية التي تسكن مخيلة هؤلاء الصغار.
تضع دراسة ميدانية حديثة نشرتها مجلة القانون والمجتمع للباحثة حفصة بودودوح، الأصبع على الجرح.
ويكشف البحث الذي استند إلى معايشة امتدت تسعة أسابيع داخل مشروع رصيف، عن هوة سحيقة بين الأرقام الرسمية والواقع الميداني. فبينما تشير الإحصاءات الرسمية إلى وجود مئات من الأطفال دون مأوى على المستوى الوطني، تمكنت فرق المشروع لوحدها من رصد أكثر من ألف ومئتي طفل في طنجة ومدن أخرى مجاورة خلال السنتين الماضيتين.
أرقام خارج الرادار وأبواب موصدة
ويتقاطع هذا المعطى مع التجربة الميدانية للفاعل الجمعوي اسماعيل العشيري، رئيس جمعية طفلي، الذي يؤكد أن الإحصاءات الرسمية تقف عاجزة عن تتبع فئة تتميز بالتنقل المستمر.
ويوضح العشيري في تصريحات لصحيفة طنجة 24 الالكترونية أن توثيق أعداد هؤلاء الأطفال يتطلب النزول اليومي إلى النقاط السوداء والتحديث المستمر لخرائط التدخل، لأن الطفل المشرد يغير مكانه على الدوام من أجل الهرب من السلطات أو البحث عن فرص جديدة للعبور نحو أوروبا، مما يجعله خارج رادار السياسات العمومية.
ولا تقف المعاناة عند حدود التشرد، بل تمتد لتشمل أبسط الحقوق وعلى رأسها الحق في العلاج. حيث تشير الشهادات التي وثقتها الدراسة إلى أن أبواب المستشفيات تظل في الغالب موصدة في وجه الطفل المشرد الذي يبحث عن الرعاية الطبية بمفرده.
وفي هذا السياق، يشدد رئيس جمعية طفلي على أن غياب وثائق الهوية والوصم الاجتماعي يجعلان من ولوج القاصر إلى المستشفى مهمة شبه مستحيلة دون مرافقة متدخل اجتماعي.
ويضيف العشيري أن الجمعيات تجد نفسها مضطرة للعب دور الدرع الإداري لتذليل العقبات، وهو وضع يسائل المنظومة الصحية حول مدى قدرتها على استيعاب الفئات الأكثر هشاشة.
بيروقراطية الإدارة وسراب الضفة الأخرى
وفي رحلة البحث عن مخرج، تبرز البيروقراطية كأحد أشرس أعداء الإدماج. حيث تتطلب مساطر إعادة الطفل إلى حضن أسرته أو إدماجه في مؤسسة رعاية إجراءات قد تطول لعدة أشهر.
وبحسب تقييم اسماعيل العشيري، فإن هذا البطء الإداري يقتل فرص الإنقاذ، فإيقاع الشارع يتسم بسرعة التحولات، والطفل الذي يبدي اليوم استعداده للتغيير قد يتبخر في اليوم الموالي وسط زحمة المدينة أو ينخرط في مسار هجرة غير نظامية.
ومع غياب مراكز إيواء انتقالية تحتضن القاصرين خلال هذه الفترة الفاصلة، تصبح جهود المتدخلين الاجتماعيين أشبه بمحاولة ملء وعاء مثقوب.
تزيد الجغرافيا من تعقيد المشهد في طنجة، حيث يقف مضيق جبل طارق كشاهد على أحلام العبور التي تراود أطفال الشوارع. ويتحول هذا المشروع الشخصي إلى حجر عثرة أمام محاولات الإدماج، إذ تسجل الدراسة انقطاع العديد من القاصرين عن برامج المواكبة بمجرد ظهور أمل في التسلل نحو إسبانيا.
ويلفت العشيري الانتباه إلى أن سحر الضفة الأخرى يفشل كل خطط الإدماج المهني أو الأسري، مع التأكيد على ضرورة تجاوز المقاربات الكلاسيكية نحو بناء حوار يشرك الطفل في تقييم واقعه وبناء بدائل قابلة للتحقق على أرض الوطن.
أسلحة محدودة في غياب السياسات الحكومية
وأمام هذه التحديات الجسيمة، يجد الفاعل الجمعوي نفسه في الخطوط الأمامية بأسلحة محدودة. ويسجل البحث الميداني كما تؤكد تصريحات رئيس جمعية طفلي وجود عجز كبير في الموارد البشرية والمالية، حيث يقتصر فريق العمل في الميدان على عدد قليل من المتدخلين، ويغيب الدعم النفسي المتخصص والمستمر.
هذه الندرة تفرض على المبادرات المدنية الاكتفاء بالاستجابة للأزمات اللحظية، وتحد من قدرتها على توفير مرافقة تمتد لفترات طويلة وتضمن انتشال الطفل بشكل نهائي من مستنقع الشارع.
وتخلص القراءة المتأنية لهذه التجربة الميدانية والشهادات الحية للمتدخلين إلى حقيقة مرة مفادها أن العمل المدني لا يمكن أن يعوض غياب سياسات حكومية متكاملة.
ما لم تتدخل مؤسسات الدولة لتبسيط المساطر الإدارية، وتوفير بنيات استقبال ملائمة، وضمان الحق في الرعاية الصحية دون شروط، فإن أرصفة طنجة ستستمر في ابتلاع الأجيال، وستظل جهود الإنقاذ مجرد مسكنات لمرض يتطلب التدخل الجذري.







