كشفت دراسة أكاديمية حديثة أن المبادرات الجمعوية الرامية إلى حماية الأطفال في وضعية الشارع بمدينة طنجة، رغم مساهمتها في الحد من المخاطر التي يتعرضون لها، تواجه صعوبات في تحقيق إدماج اجتماعي مستدام، بسبب محدودية بنيات الاستقبال والمتابعة واستمرار عوامل الهشاشة الاجتماعية.
وسلطت الدراسة، التي أعدتها الباحثة حفصة بودودوح ، الضوء على تجربة مشروع «رصيف»، الذي تشرف عليه جمعية AICEED بطنجة، من خلال تقييم أساليب المواكبة الاجتماعية والتربوية المعتمدة لمساعدة الأطفال على مغادرة الشارع والعودة إلى مسارات أكثر استقراراً.
واعتمد البحث مقاربة ميدانية شملت تسعة أسابيع من الملاحظة المباشرة، وأربع مقابلات مع فاعلين في المشروع، إلى جانب مجموعتي نقاش مع أطفال مستفيدين من أنشطته، بهدف فهم التحديات التي تواجه برامج الحماية والإدماج من وجهة نظر المتدخلين والأطفال أنفسهم.
وأظهرت النتائج أن التدخل الجمعوي يساهم في توفير حماية أولية للأطفال، والحد من تعرضهم لبعض المخاطر المرتبطة بالحياة في الشارع، فضلاً عن تسهيل استفادتهم من خدمات اجتماعية وتربوية أساسية.
غير أن هذه المكاسب، بحسب الدراسة، لا تضمن بالضرورة انتقال الأطفال إلى حياة مستقرة على المدى الطويل، في ظل استمرار مجموعة من العوامل التي تعيق إعادة إدماجهم داخل أسرهم أو المؤسسات الاجتماعية والتربوية.
وأبرز البحث أن نقص مؤسسات الاستقبال وآليات المتابعة طويلة الأمد يمثل أحد أبرز التحديات، خصوصاً عندما تتطلب أوضاع الأطفال مواكبة تتجاوز التدخلات الأولية أو الأنشطة التي تنظمها الجمعيات.
كما رصد استمرار تأثير الرغبة في الهجرة لدى بعض الأطفال، إلى جانب الوصم الاجتماعي الذي قد يواجهونه خلال محاولات العودة إلى المدرسة أو الاندماج في محيطهم الأسري والمجتمعي.
وترى الدراسة أن فعالية التدخلات لا يمكن قياسها فقط بعدد الأطفال الذين يستفيدون من خدمات الحماية أو الأنشطة التربوية، بل ينبغي النظر أيضاً إلى مدى قدرتها على ضمان استمرارية الإدماج والحد من العودة إلى الشارع.
وتطرح النتائج إشكالية التنسيق بين الجمعيات والمؤسسات العمومية المكلفة بالطفولة والحماية الاجتماعية والتعليم، بما يتيح الانتقال من الاستجابة للحالات المستعجلة إلى توفير مسارات متابعة أكثر استقراراً.
وتكتسي هذه الخلاصات أهمية خاصة في مدينة طنجة، حيث تتقاطع عوامل الهشاشة الاجتماعية مع جاذبية المدينة الاقتصادية وموقعها الجغرافي المرتبط بمسارات الهجرة، ما يجعل التعامل مع ظاهرة الأطفال في وضعية الشارع يتطلب مقاربة تتجاوز المساعدة الاجتماعية المباشرة.
وتخلص الدراسة إلى أن المبادرات الجمعوية تمثل جزءاً مهماً من منظومة حماية الأطفال، غير أن معالجة الأسباب التي تدفعهم إلى الشارع، وضمان عدم عودتهم إليه، تتطلب دعماً مؤسساتياً وتنسيقاً مستمراً بين مختلف المتدخلين.
وتشير الباحثة إلى وجود فجوة بين الأهداف المعلنة للسياسة العمومية المندمجة لحماية الطفولة في المغرب وتنفيذها على أرض الواقع، داعية إلى تعزيز التنسيق المؤسساتي وإحداث مراكز استقبال ملائمة لمراحل الانتقال من حياة الشارع إلى الاستقرار الاجتماعي.
وتبقى نتائج البحث مرتبطة بدراسة حالة مشروع واحد بمدينة طنجة، اعتماداً على منهجية نوعية، ولا تسمح بتعميم خلاصاتها إحصائياً على جميع الأطفال في وضعية الشارع بالمدينة.







