تكشف احتجاجات تجار شارع المكسيك بطنجة عن الصدام المتكرر بين منطق التهيئة الحضرية الموجهة لتقليص كثافة المركبات داخل المدن، ومسارات اجتماعية واقتصادية اعتادت ان تبقي المجال العمومي مفتوحا للولوج العشوائي والمجاني بالسيارة، سواء للركن او التموين او التسويق.
ويشمل المشروع الذي فجّر موجة الرفض يمتد ضمن مسار هيكلي يربط محور راس المصلى – ساحة فرنسا، توسعة الارصفة، اعادة ترصيف الممرات، وتركيب تجهيزات جديدة للانارة العمومية، وذلك في اطار شطر جديد من اشغال التهيئة المندمجة التي تقودها جماعة طنجة وشركة التنمية المحلية “طنجة موبيليتي” بمشاركة فاعلين مؤسساتيين.
ووفق التصميم الحضري المندرج في هذا الورش، سيتم تقليص مساحة الطريق لفائدة توسعة ممرات الراجلين، مع تنظيم حركة السير على اساس احادية الاتجاه وادماج مقاطع من الشارع ضمن محيط شبه مغلق امام العربات الخاصة. وهو ما اعتبره عدد من التجار تهديدا لنشاطهم اليومي، رغم ان المشروع لم يفرض منعا شاملا، بل هيكلة تدريجية لحركة المرور وتوزيع وظيفي جديد للرصيف والطريق.
وقد بادرت السلطات المحلية الى احتواء التوتر عبر زيارة ميدانية لمسؤولين من ولاية جهة طنجة تطوان الحسيمة ومصالح الشؤون الداخلية، وجرى الاتفاق على مراجعة مؤقتة للبرمجة المتعلقة باغلاق الشارع، دون التراجع عن جوهر التهيئة.
ويعكس هذا التفاعل صعوبة تحقيق انتقال عمراني سلس حين تكون انماط الاستعمال اليومية للمجال الحضري متجذرة ومتداخلة مع الامتيازات المرتبطة بالسيارات.
وتندرج هذه التهيئة ضمن رؤية اوسع تقودها طنجة حيث تم اعداد استراتيجية جهوية للمشي ركزت وثيقتها المرجعية، على ان نسبة استعمال المشي للتنقل في مدينة طنجة لا تتجاوز 18 بالمئة، مقابل 63 بالمئة في مدن مثل تطوان او شفشاون، مما يبرز الاختلال البنيوي في توزيع الفضاء العمومي.
ويهدف البرنامج إلى اعادة الاعتبار للمشي كوسيلة تنقل رئيسية، من خلال تحسين عرض الارصفة، تامين العبور عند التقاطعات، تعزيز التشجير، وتحقيق الانسجام بين التهيئة والعدالة المجالية في الولوج الى الخدمات، لا سيما بالنسبة للفئات ذات الدخل المحدود.
وتزامن هذا التوجه مع السياسات الوطنية التي اطلقتها اللجنة الوطنية للسلامة الطرقية، من اجراءات مستعجلة لمواجهة حوادث السير، من بينها تعزيز المساحات الامنة للراجلين في المدن الكبرى، ومنع التوقف العشوائي عند المنافذ الحيوية، كما يجري حاليا في محيط محطة القطار، ساحة الامم، وملتقيات شارع مولاي رشيد بطنجة.
وتشهد مدينة طنجة منذ سنوات تحولات عمرانية متسارعة، توجتها مطلع سنة 2025 باحداث شركة التنمية المحلية “طنجة موبيليتي”، التي اوكلت اليها مهام تدبير النقل الحضري وتنفيذ رؤية متكاملة لتحسين الفضاء العام، بما يشمل مسارات الراجلين والمواقف والخدمات الذكية.
وتعد هذه المؤسسة احدى ادوات التنزيل العملي لمخططات جماعة طنجة، في ارتباط مع مشاريع الباصواي والمواقف تحت ارضية وتنظيم السير والجولان.
غير ان هذا التغيير لا يواجه فقط بعوائق مالية او تقنية، بل يصطدم احيانا بثقافة مدينية ترى في السيارة الخاصة رمزا للوجاهة او الاحقية في الاستفادة من المجال المشترك، وهو ما يطرح تحديا مزدوجا: كيف يمكن اقناع السكان والمهنيين بان التخلي التدريجي عن الامتيازات غير المنظمة لا يعني التضييق، بل توزيعا اكثر عدالة وفعالية للموارد الحضرية؟
ولا يضعف بقاء بعض الممارسات المرتبطة بالركن العشوائي والولوج غير المقنن للمحاور التجارية فقط جودة الحياة الحضرية، بل يفرغ المشاريع المهيكلة من مضمونها، ويكرس ازدواجية مرهقة في تدبير المجال. ولذلك، فان احتجاجات شارع المكسيك لا يمكن فصلها عن معركة رمزية اعمق حول من يملك الشارع، ومن له الحق في اعادة تعريف وظيفته.







