تعود مدينة شفشاون إلى واجهة المشهد الثقافي في جنوب إسبانيا، مع انطلاق ستة أيام من الاحتفالات في بلدة بيخير دي لا فرونتيرا، تستحضر خلالها الضفة الإسبانية توأمة عمرها 26 عاما حافظت على حضور المدينة الزرقاء في الذاكرة المحلية لإقليم قادس.
ويمتد الموعد من الجمعة 17 إلى الأربعاء 22 يوليوز، غير أن البرنامج يتجاوز الاحتفاء بذكرى توقيع اتفاق إداري بين جماعتين محليتين، ليعيد تقديم شفشاون بوصفها شريكا مغربيا لبيخير، ترتبط به بعناصر من التاريخ الأندلسي والعمران والثقافة الشعبية والتقاليد المتوسطية.
وقالت بلدية بيخير إن المناسبة ستتيح على مدى ستة أيام “مسارا عبر الثقافة والتقاليد والتعايش بين الشعبين”، في صيغة تضع العلاقة مع المدينة المغربية في صلب برنامج ثقافي يضم الحرف والموسيقى والمسرح واللقاءات المؤسساتية.
ووقعت المدينتان اتفاق التوأمة سنة 2000، لتنتقل علاقة مستمدة من رواية تاريخية متداولة إلى إطار رسمي حافظت من خلاله شفشاون على موطئ قدم ثقافي في إحدى أشهر البلدات البيضاء في الأندلس.
وتستند رمزية التوأمة إلى قصة كاتالينا فرنانديز، المنحدرة وفق الرواية المحلية من بيخير، وعلي بن راشد مؤسس شفشاون. وتقول الرواية إن كاتالينا انتقلت إلى شمال المغرب بعد زواجها منه، وعرفت باسم لالة زهرة، لتصبح قصتهما جسرا تستند إليه المدينتان في تفسير أوجه التقارب بينهما.
ولا تقدم الأنشطة الحالية تلك الرواية باعتبارها مجرد صفحة من الماضي، بل تحولها إلى عنصر دائم في العلاقة مع شفشاون. وسيعرض يومي الثلاثاء والأربعاء عمل مسرحي بعنوان “أسطورة بن راشد ولالة زهرة”، تصفه الجهة المنظمة بأنه “قصة حب بين بيخير وشفشاون”.
وتحضر المدينة المغربية أيضا من خلال إعادة تشكيل سوق أندلسية تنطلق مساء الجمعة وتستمر السبت، تضم الحرف والمنتجات التقليدية والتقنيات القديمة، وتمتد من شارع رامون إي كاخال إلى قلعة بيخير، في مسار يحاكي الأسواق القديمة ويربط التراث الأندلسي بامتداداته المغربية.
ويقام الأحد حفل “موسيقى بلا حدود”، قبل تنظيم حفل مؤسساتي الثلاثاء في المسرح البلدي سان فرانسيسكو، لاستعادة توقيع اتفاق التوأمة والتأكيد على استمرار العلاقة بعد أكثر من ربع قرن.
ويأتي الموعد بعد سنة شهدت تكثيفا للاتصالات بين الجانبين بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين للتوأمة، إذ انتقلت العلاقة مجددا إلى شفشاون عبر لقاءات شارك فيها مسؤولو المدينتين وفاعلون ثقافيون وفنانون من المغرب وإسبانيا.
وشارك رئيس جماعة شفشاون محمد السفياني، إلى جانب رئيس بلدية بيخير أنطونيو غونزاليس، في لقاء احتضنته المدينة المغربية وربط التعاون بينهما بالتراث الغذائي المتوسطي، بمشاركة خبراء وممثلين عن مدن متوسطية أخرى.
واستضافت دار الثقافة الغذائية المتوسطية في شفشاون خلال ذلك اللقاء معرضا فوتوغرافيا لفنانين مغاربة وإسبان، تناول تقاليد الزراعة والصيد البحري وفنون الطبخ، في خطوة وسعت مضمون التوأمة من استحضار الذاكرة الأندلسية إلى التعاون حول مكونات التراث الحي.
وأعلنت بلدية بيخير عقب اللقاء عن مبادرات جديدة للتبادل مع شفشاون، شملت الإعداد لرحلتين إلى المدينة المغربية، إحداهما موجهة إلى شابات من البلدة الإسبانية، والثانية مفتوحة أمام السكان، بما يمنح التوأمة بعدا يتجاوز الزيارات الرسمية إلى التواصل المباشر بين المجتمعين.
ووصفت البلدية تلك المبادرات بأنها جزء من تقوية علاقتها الدولية مع شفشاون، مؤكدة أن الذكرى الخامسة والعشرين أتاحت تعزيز “الروابط التاريخية والثقافية والاجتماعية” القائمة بين المدينتين.
كما عبر رئيس بلدية بيخير أنطونيو غونزاليس عن البعد الاجتماعي لهذه العلاقة، معتبرا أن بلدته تظهر، في ظل حوادث كراهية الأجانب المسجلة في إسبانيا، تسامحها مع الثقافة المغربية التي قال إن سكانها تقاسموا معها جوانب عديدة على الدوام.
وقال غونزاليس إن التوأمة أنتجت خلال أكثر من عقدين تبادلا ثقافيا واقتصاديا مهما، مقدما العلاقة مع شفشاون نموذجا محليا للانفتاح على المغرب في وقت يتصاعد فيه النقاش داخل إسبانيا بشأن الهجرة والتعايش ورفض الأجانب.
وتمنح هذه التصريحات الزاوية المغربية للتوأمة بعدا يتجاوز الصورة السياحية التي تقدم شفشاون باعتبارها “المدينة الزرقاء”، إذ تظهرها شريكا ثقافيا حاضرا في البرامج واللقاءات والذاكرة العامة لبلدة إسبانية تجعل من علاقتها بالمغرب جزءا من هويتها المحلية.
كما يعكس انتقال معارض وفعاليات ثقافية من بيخير إلى شفشاون حركة متبادلة بين الضفتين، بدلا من اقتصار الأنشطة على استحضار المغرب داخل إسبانيا. ففي أبريل 2025، بدأت بمدينة شفشاون المرحلة المغربية من مشروع «أبناء الأندلس»، بعد عرضه في مدن أوروبية وفي بيخير وطريفة، قبل أن يمتد إلى طنجة وتطوان والعرائش.
وربط المشروع بين فنانين وفاعلين ثقافيين من البلدين حول الإرث الأندلسي المشترك، في مسار منح شفشاون دور نقطة الانطلاق داخل المغرب، مستفيدا من مكانتها التاريخية بوصفها إحدى المدن التي استقبلت موجات بشرية وثقافية قادمة من الأندلس.
وتأسست شفشاون سنة 1471 في جبال الريف، ثم استقبلت لاحقا مسلمين ويهودا قدموا من الأندلس، وانعكس حضورهم في أحياء المدينة القديمة وأزقتها الضيقة ومنازلها وتقاليدها الحرفية، وهي العناصر التي تستند إليها العلاقة الحديثة مع بيخير.
ومع ذلك، لا تتوقف التوأمة عند البحث عن أوجه التشابه العمراني بين مدينة زرقاء في شمال المغرب وبلدة بيضاء في قادس. فقد تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى منصة للمعارض والرحلات ولقاءات المنتخبين والمشاريع المرتبطة بالموسيقى والمسرح والتراث الغذائي.
وتعيد احتفالات يوليوز الجاري هذا المسار إلى الفضاء العام في بيخير، عبر برنامج يجعل اسم شفشاون حاضرا طوال ستة أيام في الشوارع والأسواق والمسرح البلدي، قبل أن يختتم بعرض قصة بن راشد ولالة زهرة، الرمز الذي اختارته المدينتان عنوانا لصلاتهما.
وبعد 26 عاما من توقيع التوأمة، تظل شفشاون الطرف المغربي في علاقة حافظت على استمراريتها رغم تعاقب المسؤولين وتباعد فترات الزيارات، مستندة إلى ذاكرة أندلسية مشتركة، وإلى رغبة معلنة في نقلها من الاحتفال الرمزي إلى تبادل مباشر بين السكان والمؤسسات الثقافية على جانبي المضيق.







