ما تزال مدينة طنجة تعيش على ايقاع موجة حر شديدة، غير معهودة في سجلها المناخي، بعدما سجلت المديرية العامة للارصاد الجوية خلال النصف الثاني من غشت الجاري 42.8 درجة مئوية في المدينة، بفارق اعشار فقط عن الرقم القياسي المسجل سنة 2021 (43.1).
وجعل هذا الارتفاع المتكرر للحرارة القصوى، المقرون برطوبة خانقة، من صيف 2025 اكثر المواسم انهاكا للساكنة منذ عقود.
ويضع هذا الوضع المناخي طنجة ضمن ما تسميه الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) “نطاق الخطورة القصوى في الحوض المتوسطي”، حيث تزداد موجات الحر فوق المعدلات الموسمية باكثر من 5 درجات، وتتكرر على مدى اطول، دون تبريد ليلي.
ويؤكد تقرير صادر عن مرصد Copernicus الاوروبي ان شمال المغرب سجل في يوليوز وغشت 2025 واحدا من اعلى معدلات “الحرارة الصغرى المرتفعة”، اي بقاء درجات الحرارة فوق 27 درجة حتى بعد منتصف الليل.
بني مكادة تختنق ليلا
وتعد مقاطعة بني مكادة، التي تحتضن نحو 40% من سكان طنجة، من اكثر المناطق تضررا من موجة الحر، حيث تتكدس البنايات في احياء مثل بئر الشفا والعوامة والسانية، وسط غياب اي بنية تخفيف حراري كافية، سواء عبر التشجير او التهوية الطبيعية.
وتظهر صور الاقمار الاصطناعية الصادرة عن القمر Sentinel-3 بتاريخ 14 و16 غشت، ان حرارة سطح الارض (Land Surface Temperature) في هذه المناطق بلغت نحو 51 درجة مئوية، وهي اعلى بكثير من حرارة الهواء المقاسة رسميا، التي لم تتجاوز 43 درجة.
ويعزى هذا الارتفاع الى ظاهرة “الجزيرة الحرارية الحضرية”، حيث تخزن الاسطح الاسمنتيه الحرارة نهارا وتعيد اشعاعها ليلا، مما يحول الاحياء الى بؤر حرارية مغلقة.
ولم يمر الضغط الحراري في بني مكادة دون اثر صحي. فبحسب معطيات اولية من مصادر طبية في مستشفى محمد الخامس، سجلت زيادات لافتة في عدد زيارات المستعجلات بسبب الاجهاد الحراري، خاصة لدى الاطفال والنساء الحوامل والعمال في القطاع غير المهيكل.
مغوغة واجزناية تختنقان
في مقاطعة مغوغة وجماعة اكزناية، اللتين تضمان اكبر تركز للمنشآت الصناعية والسكنية الصاعدة في طنجة، يبدو اثر الحرارة مضاعفا.
ففي مقاطعة مغوغة، التي تعرف توسعا عمرانيا متسارعا في اطرافها الغربية والشمالية، تؤدي كثافة البناء الاسمنتي، وغياب التشجير المنظم، الى احتباس حراري مزمن، تدعمه تضاريس طينية ثقيلة تعيق التبخر وتحد من التهوية الطبيعية.
وتُظهر بيانات الاقمار الاصطناعية ان درجات حرارة سطح الارض في هذه المناطق قاربت 50 درجة مئوية، خاصة في مجالات التوسع العمراني القريبة من المحيط الصناعي والزراعي، حيث يتقاطع التمدد الاسمنتي مع هشاشة بيئية واضحة
وتشير منصة Climate Engine المدعومة من وكالة NOAA الاميركية الى تسجيل 49 درجة في بعض اجزاء اجزناية، فيما تؤكد تقارير محلية ان الوضع مرشح للتفاقم في ظل غياب استراتيجية عمرانية مناخية واضحة.
العدالة المناخية على المحك
ما تعيشه طنجة اليوم ليس حالة ظرفية، بل مؤشر على تحول هيكلي في مناخ المدينة، وغياب الاستباق المؤسساتي في مواجهة هذا التحول.
فرغم التنبيهات المتكررة من المديرية العامة للارصاد الجوية، وتقارير الهيئة المتوسطية للتنمية المستدامة (MedECC)، لا تزال الجماعات الترابية ومجالس المقاطعات تتحرك دون استراتيجية مناخية واضحة.
ويبرز تقرير يوليوز 2025 الصادر عن وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ان طنجة، رغم موقعها الاستراتيجي، “تواجه اختلالات في توزيع الجزر الحرارية داخل مجالها الحضري، ما يهدد بترسيخ لاعدالة مناخية بين الاحياء”.
في ظل صمت رسمي محلي، وتنامي التأثيرات الملموسة للحر على الصحة العامة، يبقى السؤال مفتوحا: هل تدرك المدينة ان التكيف مع المناخ لم يعد خيارا بيئيا، بل شرطا حضريا للبقاء؟







