ما إن تغادر دوريات الشرطة الشوارع الرئيسية في مدينة طنجة، بعد حجز دراجات نارية مخالفة، حتى تتجدد الشكاوى من مركبات مماثلة تجوب الأزقة المكتظة بسرعة مفرطة؛ فخلف الفوضى المرورية اليومية، ينشط سوق لكراء الدراجات يشتغل جزء منه خارج الضوابط، ما يحد من قدرة الحملات الأمنية على تجفيف منابع الظاهرة.
يومي الجمعة والسبت (16 و17 أكتوبر)، نفذت فرق المرور والأمن العمومي والشرطة القضائية في طنجة حملات واسعة استهدفت السياقة الاستعراضية وعدم الامتثال والنقل السري، وانتهت بإحالة عدد من الدراجات إلى المحجز البلدي والاستماع إلى سائقين.
وجاءت هذه التحركات غداة مراسلة وجهها فرع “الحزب الاشتراكي الموحد” المعارض بالمدينة، في 15 أكتوبر، إلى والي جهة طنجة تطوان الحسيمة، طالب فيها بتشديد الرقابة على “وكالات كراء الدراجات النارية”، والتدقيق في عقود الكراء وهويات المستعملين، محذرا من تنامي السياقة المتهورة وعمليات النشل التي تستعمل فيها هذه المركبات.
غير أن الحصائل الأمنية المنشورة عقب هذه الحملات لا تفصل بين الدراجات المملوكة لأفراد وتلك التابعة لمحلات الكراء، في غياب إحصاء رسمي شامل لعدد المحلات الخاضعة للمراقبة أو قرارات الإغلاق الإداري الصادرة بحق المخالفين، رغم توالي التحذيرات بشأن النشاط منذ شتنبر 2024، واستهداف بعض محلاته بحملات أمنية وإدارية خلال سنتي 2025 و2026.
ارتفاع في الحوادث ونزيف بالمستشفيات
وتتجاوز تداعيات هذه الفوضى الإزعاج الصوتي في الأحياء السكنية إلى ضغط مباشر على أجهزة الإسعاف وأقسام المستعجلات في مدينة تشهد منحى تصاعديا في حوادث السير.
وتظهر بيانات القيادة الجهوية للوقاية المدنية تسجيل إقليم طنجة أصيلة 6957 حادثة سير خلال عام 2025، مقابل 6856 حادثة في العام السابق، بارتفاع يقارب 1,5 في المائة.
ورغم تحدث مصدر طبي بمستشفى محمد الخامس بطنجة، وفق تقرير صحفي محلي، عن استقبال مصابين في حوادث الدراجات النارية بصورة يومية، لا تتيح الإحصائيات المنشورة تحديد نسبة المركبات المكتراة أو السائقين القاصرين ضمن حصيلة الحوادث.
“سانيا” وكراء بالوكالة
في أحياء شعبية ذات كثافة سكانية عالية مثل بير الشيفا، والإدريسية، وحومة الشوك، ومسنانة، وامغوغة الصغيرة، وبوخشخش، رصدت تقارير محلية خلال عام 2025 انتشار محلات تعرض دراجات نارية للكراء، تتصدرها الدراجات الصينية الصغيرة المعروفة محليا باسم “سانيا”.
وتكمن إحدى أبرز الثغرات الرقابية التي رصدتها تقارير محلية منذ خريف 2024 في لجوء قاصرين ومراهقين إلى حيلة “الكراء بالوساطة”؛ إذ يتولى شخص راشد كراء الدراجة باسمه وتسلمها من المحل، قبل أن يتناوب مراهقون غير مؤهلين على قيادتها في الشارع بعد تقاسم تكلفتها المالية.
ويؤدي تداول المركبة الواحدة بين عدة أشخاص إلى تعقيد تحديد المسؤوليات، بين صاحب المحل الذي يتعامل مع المكتري الأول، والسائق الفعلي الذي يواجه دوريات المراقبة الطرقية، خصوصا عندما تنتقل الدراجة إلى أشخاص لم تشملهم إجراءات التحقق عند تسليمها.
محركات معدلة تتجاوز الرخص
وإلى جانب ثغرات التعاقد، تحوم شبهات تقنية حول تعديل محركات بعض الدراجات المعروضة للكراء بهدف مضاعفة سرعتها.
وتشير تقارير محلية إلى رفع سعة محركات دراجات مسجلة رسميا في فئة 49 سنتيمترا مكعبا لتصل فعليا إلى نحو 110 سنتيمترات مكعبة، مع استمرار تداولها بوثائق الفئة الصغرى، دون أن تتوفر حصيلة خبرات تقنية منشورة تحدد عدد المركبات التي ثبت تعديلها.
ويطرح هذا التعديل، متى ثبت عبر الخبرة التقنية، مخالفة تتعلق بمطابقة المركبة لوثائقها وتغيير صنف الرخصة المطلوبة لقيادتها؛ إذ تسمح مدونة السير المغربية للقاصرين ابتداء من سن 14 عاما بقيادة دراجات لا تتجاوز سعتها 50 سنتيمترا مكعبا، ضمن الحدود التقنية المقررة، بموجب رخصة “AM”.
في المقابل، تتطلب قيادة الدراجات الخفيفة التي تصل سعتها إلى 125 سنتيمترا مكعبا، وفق شروطها التقنية، الحصول على رخصة “A1” المشروطة ببلوغ 16 عاما، بينما يشترط بلوغ 18 عاما للحصول على رخصة “A” الخاصة بالدراجات الأكبر.
وبفعل هذا التغيير الميكانيكي غير المصرح به، قد يصبح القاصر حاملا لرخصة قانونية من حيث الوثائق، لكنه يقود مركبة تتطلب صنفا أعلى من رخص السياقة، وهو ما يصعب إثباته عبر المراقبة العادية للوثائق في الشارع دون فحص تقني للمحرك.
كر وفر وتداخل صلاحيات
وعلى مدار عامين، لم تقتصر التدخلات على الشارع العام، بل طالت نقاط الكراء نفسها في حملات متفرقة، دون أن تتوفر حصيلة رسمية تثبت مدى نجاحها في الحد من الظاهرة.
ففي 15 ماي 2025، نفذت السلطات المحلية والأمنية حملة في حي البرانص أسفرت عن حجز دراجات غير مستوفية للشروط داخل محلات كراء وتحرير محاضر للمخالفين، تلتها بعد أربعة أيام عملية مماثلة للسلطة المحلية والدائرة الأمنية الثامنة استهدفت نقاط كراء وصفت بـ”العشوائية” في منطقة العوامة.
وفي ماي 2026، اتسع نطاق المداهمات، خلال عمليات أمنية شملت أحياء بير الشيفا والمرس وأشناد وحي بلخير، ليطال محلات لكراء الدراجات، إثر الاشتباه في استعمال بعض المركبات المكتراة في عمليات سرقة بالخطف والنشل، ما أسفر عن حجز دراجات وتوقيف مشتبه بهم في قضايا إجرامية مختلفة.
غير أن تكرار التدخلات، مع استمرار الشكاوى من انتشار الكراء غير المنظم، يثير تساؤلات بشأن مصير الإجراءات المتخذة ضد المحلات المخالفة، ومدى استمرارية المراقبة بعد انتهاء العمليات الأمنية.
فبينما تضطلع الشرطة بزجر المخالفات الطرقية والضبط القضائي للجرائم، تتوزع صلاحيات مراقبة المؤسسات التجارية والتراخيص والجزاءات الإدارية بين الجهات المختصة بحسب طبيعة النشاط والمقتضيات القانونية المنظمة له.
ويمنح القانون التنظيمي رقم 113.14 رئيس المجلس الجماعي صلاحيات محددة في الشرطة الإدارية، تشمل السكينة العمومية وسلامة المرور ومراقبة بعض المؤسسات والأنشطة وفق التشريعات الجاري بها العمل، بينما تبقى المحافظة على النظام والأمن العمومي ضمن اختصاصات السلطة الإدارية الإقليمية.
وتدخل المصالح المكلفة بالنقل ضمن الجهات المعنية بالضوابط المنظمة لكراء المركبات التي تتطلب رخص السياقة من صنفي “A” و”A1″، بموجب دفتر التحملات الذي دخل حيز التنفيذ في أبريل 2024، فيما يظل تحديد الإطار التنظيمي المطبق على محلات كراء الدراجات الصغيرة من فئة “AM” ضروريا لتوضيح المسؤوليات الإدارية.
وأمام غياب حصيلة معلنة لمراقبة المحلات، تربط بين المحجوزات الأمنية في الشوارع والإجراءات الإدارية المتخذة بحق المؤسسات المخالفة، تظل الحملات الأمنية محكومة بملاحقة النتائج اليومية في الطرقات، بينما تبقى التساؤلات قائمة بشأن مدى إخضاع المنبع الذي يغذي الظاهرة لرقابة منتظمة.







