كشفت دراسة علمية دولية عن تسجيل مستويات مرتفعة من التدهور الفيزيائي في مواد البناء الحجرية بموقع تمودة الأثري قرب مدينة تطوان، تراوحت بين 50 و75 في المائة في بعض العناصر التي شملها التقييم، وسط تحذيرات علمية من تأثير الرطوبة والعوامل المناخية وطبيعة الصخور على استدامة هذا المعلم التاريخي.
وأظهرت الدراسة، التي نشرتها مجلة «Global Heritage» العلمية التابعة لدار النشر الدولية «Elsevier»، أن بعض الأحجار المستعملة في تشييد المباني والتحصينات القديمة بالموقع تعرضت لتشققات وتفتت حبيبي وتقشر سطحي، نتيجة تفاعل عوامل فيزيائية وكيميائية وبيولوجية على مدى فترات طويلة.
وأنجز البحث فريق علمي مغربي ودولي يضم إلهام جبار ومحمد أشعب ومانويل مارتين مارتين ومحمد أمين عنقودة وعلي معطي وأمل سعيدي وعلي أولاد سيدي امحند، في إطار دراسة تهدف إلى تطوير منهج علمي لتقييم مواد البناء القديمة وتحديد أولويات ترميم المواقع الأثرية.
واعتمد الباحثون على عمليات مسح ميداني وجرد جيولوجي للأحجار، إلى جانب تصنيف مظاهر التدهور وفق المعايير الدولية للمجلس الدولي للمعالم والمواقع «ICOMOS»، وربط خصائص الصخور بالعوامل البيئية التي تؤثر في مقاومتها للتلف.
وكشفت النتائج أن الحجر الجيري الرملي يمثل 37 في المائة من المواد الحجرية التي شملها الجرد، يليه الحجر الرملي بنسبة 25 في المائة، ثم الحجر الجيري المسامي المعروف باسم «الترافرتين» بنسبة 23 في المائة، والحجر الجيري الرمادي بنسبة 8 في المائة.
كما رصد الباحثون مواد أخرى بنسب محدودة، تشمل البازلت والطوب وأنواعاً من الصخور الكلسية، مرجحين أن مصادر أغلب الأحجار المستعملة في الموقع تعود إلى تكوينات جيولوجية محلية بمحيط تطوان.
وأبرز التحليل اختلاف درجة مقاومة الأحجار للتدهور بحسب تركيبها المعدني وبنيتها الداخلية، إذ أظهرت الصخور الكربوناتية، خصوصاً الأحجار الجيرية، قابلية للتأثر بعمليات الذوبان ونمو الكائنات الحية الدقيقة والنباتات، بينما كانت الأحجار الرملية أكثر عرضة للتفتت والتشقق وانفصال الطبقات السطحية.
وسجلت الدراسة أن التدهور الفيزيائي بلغ مستويات تراوحت بين 50 و75 في المائة في العناصر التي أظهر فيها التقييم أضراراً شديدة، مقابل مستويات منخفضة إلى متوسطة عموماً من التغيرات الكيميائية والبيولوجية.
ولا تعني هذه النسب أن ثلاثة أرباع الموقع الأثري تعرضت للانهيار أو التلف الكامل، وإنما تعبر عن مستويات التدهور التي حددها الباحثون في المواد والعناصر الحجرية المشمولة بالتقييم.
وحدد الفريق البحثي الرطوبة وتقلبات الحرارة وتفاعل المياه مع الصخور ضمن أبرز العوامل المساهمة في التدهور، مشيراً إلى أن الموقع يوجد فوق مصطبة جيولوجية غنية بالطين تعود إلى العصر البليوسيني، وهو ما يؤثر في حركة المياه واحتفاظ التربة بالرطوبة.
وتؤدي هذه الظروف إلى اختلاف استجابة الأحجار للعوامل المناخية، خصوصاً مع تكرار دورات البلل والجفاف، التي تساهم في إضعاف بعض المواد الحجرية وتسريع تشققها وتفتتها.
ويقع موقع تمودة على بعد نحو خمسة كيلومترات جنوب غرب مدينة تطوان، ويضم بقايا مدينة تعود إلى الفترة الموريتانية القديمة، إلى جانب منشآت عسكرية رومانية شيدت فوق أنقاض المدينة السابقة.
وتشير المعطيات التاريخية إلى استمرار استعمال المعسكر الروماني حتى القرن الخامس الميلادي، قبل أن يتحول الموقع إلى مجال للبحث الأثري منذ اكتشافه على يد الباحث الإسباني سيزار لويس دي مونتالبان سنة 1921.
وكانت وزارة الثقافة المغربية قد صنفت تمودة ضمن التراث الوطني سنة 2005، قبل تنفيذ مشاريع للتهيئة والترميم شملت أجزاء من التحصينات والمرافق الأثرية، وفتح الموقع رسمياً أمام الجمهور في يناير 2013.
وفي ضوء نتائج الدراسة الجديدة، دعا الباحثون إلى اعتماد تدخلات دقيقة تراعي التركيب الجيولوجي لكل نوع من الأحجار، بدلاً من تطبيق حلول ترميم موحدة على مختلف المباني والأجزاء الأثرية.
واقترح الفريق اختيار أحجار بديلة تتوافق مع المواد الأصلية عند الحاجة إلى التعويض، ومعالجة مسببات الرطوبة، وتحديد المناطق التي تستوجب تدخلاً عاجلاً وفق درجة التلف ونوع الصخور.
كما أوصى بتطوير عمليات المراقبة العلمية عبر أجهزة محمولة لقياس المؤشرات البيئية وتحليل الخصائص المعدنية للأحجار، بما يسمح برصد التغيرات قبل وصولها إلى مستويات متقدمة.
ويرى الباحثون أن المنهج الذي اختبروه في تمودة قابل للتطبيق في مواقع أثرية أخرى بالمغرب وحوض البحر الأبيض المتوسط، خصوصاً تلك التي تضم مباني حجرية معرضة للتغيرات المناخية والرطوبة.
وتقدم الدراسة أساساً علمياً لتخطيط عمليات الصيانة والترميم انطلاقاً من طبيعة المواد ومظاهر تلفها، وتطرح في المقابل تساؤلات بشأن مدى إدماج المراقبة الجيولوجية المنتظمة ضمن برامج حماية التراث الأثري في شمال المغرب.
وكانت الدراسة قد صدرت إلكترونياً في 25 غشت 2026، وأدرجتها المجلة ضمن عددها المؤرخ بنونبر من السنة نفسها، ما يجعلها من الأبحاث العلمية الحديثة التي تقدم معطيات ميدانية عن حالة المواد الحجرية بموقع تمودة.







