في تلك البقعة القصية من الشمال المغربي، حيث تمتد التلال الخضراء وتتراقص السنابل تحت أنسام الربيع، تصهل الخيول بحماسة لا تقل عن اندفاع فرسانها.
فوق السهول الرحبة، تُبعث الأسطورة من رماد النسيان، وتُولد من جديد كل عام في مدشر زنيد ضواحي العرائش… هناك، حيث تقام فروسية ماطا، لا على سبيل الفرجة فحسب، بل كطقس جماعي يعيد ربط الإنسان بأرضه، وموسمه، وذاكرته.
لا يرتدي الفرسان دروعًا من حديد، بل جلاليب تقليدية وعمائم جبالية، وكأنهم خرجوا للتو من صفحات التاريخ.
من بينهم يبرز موسى، فارس من قبيلة بني كرفط، يُقبّل رأس أمه، يربّت على رقبة حصانه غير المسرج، ثم يتقدم صوب نسوة القبائل وقد تجمعن كعصافير حول دمية من القصب وكساء العروس، يزينها بحلي وأقمشة ملونة، وينشدن في تناغم يليق بعرس ربيعي فريد. يُسلّمن “ماطا” لموسى، وينطلق.
ما إن يبدأ السباق، حتى يتلاشى الزمن، وتصير الأرض كلها ميدانًا لعناق بين الحصان والتاريخ. يلاحق الفرسان بعضهم فوق الهضاب، وكلٌّ يريد انتزاع الدمية، لا لشيء إلا كي يصل بها إلى خط النهاية ويُتوَّج فارس الموسم.
لكن ماطا، تلك الدمية الصغيرة المصنوعة من نبات القصب، ليست مجرّد لعبة، بل رمز لخصوبة الأرض، وإرث من عهد بعيد، يتناقل قصته الكبار للصغار.
تحكي الرواية عن شاب أحب فتاة، فرفضوه، فاختطفها على صهوة حصانه. طاردوه، أسروه، عاد فهرب بها مجددًا، حتى نجح في الظفر بها. ومن تلك الحكاية، نسجت القبائل هذا الطقس، وجعلته وعدًا يتجدد كل ربيع.
وسط هدير الحوافر، وغمامات الغبار، يصرخ المتفرجون، تُصفّق الجدّات، وتتهلل وجوه الأطفال. ماطا صارت موعدًا للجميع، خصوصًا بعد أن اكتست طابعًا رسميًا منذ عام 2011.
وفي الميدان، لا يعلو صوت على صهيل الخيول، ولا تومض عدسة إلا وقد التقطت لحظة انتصار، أو نظرة تحدٍّ، أو دمعة فخر.
فها هو عبد السلام البخاري، شيخ في الخامسة والستين، يقولها بثقة: “حين أركب حصاني، أشعر أنني أصغر بعشرين سنة”. شارك في أولى نسخ المهرجان الرسمية، واليوم يراه ابنه مروان على خطى الآباء.
ولأن الحكايات لا تكتمل دون مفاجأة، تظهر الزُّهرة صدقي، امرأة تخترق الصورة النمطية لفروسية رجالية. فارسة، لا بالمعنى المجازي، بل فعليًا: تخوض السباق على فرسها، تلتقط العروس ماطا، وتتحدى نظرات الاستغراب. “أحببت اللعبة منذ طفولتي، ولم أسمح للخوف أن ينتصر”، تقول الزُّهرة، وقد صارت أيقونة نسائية في هذا الطقس الرجولي الصارم.
ليست وحدها التي وقفت على صهوة الحلم. فهناك أيضا الزائرات الأجنبيات، السياح، الصحفيون، العارفون بجمالية الفلكلور، الباحثون عن معنى في هذا الجنون الجميل. منهم الصحفي الإسباني خافيير أغيلار، الذي لم يُخفِ دهشته من حضور الزُّهرة: “هي نموذج للمرأة المغربية في ماطا. هي حكاية كاملة”.
ومع نهاية كل دورة، حين ينفضّ الجمع، وتعود الخيول إلى الحظائر، تبقى ماطا متوهجة في الذاكرة. ويظل رجال قبائل جبالة ونساؤها، يحكون لأطفالهم عن عروس مطاردة لا تُمسك إلا بالحب والشجاعة. عن فارس طارد حلمًا حتى تحقق. عن لعبة صوفية لا تشبه سوى هذا المكان.







